الصفحة 49 من 169

ولكنه في هذه الحالة أيضًا يكون إدراكًا حسيًا، وإن اختلفت الحاسة عما يعرف الإنسان في نفسه من حواس.

ولكن الإنسان بعد ذلك -يتميز بإدراك وجود لأشياء لا تصل إليها حواسه، والإيمان عن وعي بوجود هذه الأشياء.

والقرآن يستخدم لوصف هذا المفهوم لفظ الإيمان"بالغيب".

"الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ..." [1] .

"لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ .." [2] .

"جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ" [3] .

"وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ" [4] .

وقمة الإيمان بالغيب هي الإيمان بالله ..

وسنتحدث في فصل"الدين والفطرة"عن"الدلائل"التي تهدي الفطرة إلى وجود الله. الدلائل الحسية وغير الحسية ..

ولكن وجود هذه الدلائل ليس هو الذي ينشئ تلك الطاقة التي نحن بصددها: طاقة الإيمان بالغيب ..

فلو كانت هي بذاتها التي تنشئ الإيمان بالغيب، لتساوى الناس كلهم -بصورة آلية حتمية- في الإيمان بالغيب.

والواقع ليس كذلك .. فمن الناس من يزيد عنده الإيمان بالغيب ومنهم من ينقص .. ومنهم من يكون مهتديًا في الإيمان بالغيب ومنهم من يضل. فليست طاقة الإيمان بالغيب إذن مترتبة على وجود دلائل الإيمان الحسية أو غير الحسية ..

إنما هي طاقة موجودة داخل الكيان البشري، سواء وجدت الدلائل أم لم توجد .. وهي تهتدي وتضل سواء وجدت الدلائل أم لم توجد.

إنها طاقة فطرية في الإنسان .. في كل إنسان! ولكنها ككل طاقاته الأخرى تهتدي وتضل .. وتزيد عند هذا الشخص وتنقص عند ذاك.

تهتدي فتؤمن إيمانًا غيبيًا بوجود الله. وهو غيب بطبيعة الحال. فالله لا تدركه الأبصار .. ولا أي حاسة من الحواس ..

وتضل، فتؤمن -إيمانًا غيبيًا- بالطبيعة أو بأية قوة أخرى تسوس الكون وتدبره ..

وفي كلتا الحالتين هي طاقة فطرية موجودة في كل إنسان .. تجعله يؤمن بأشياء لا تدركها حواسه، ولا يدركها عقله كذلك إلا في حدود.

ولقد كفرت بعض المذاهب والنظم بهذه الطاقة التي تؤمن بالغيب .. ولكنها نسيت أنها طاقة فطرية! وأنها حين لا تتوجه إلى الإيمان بالله -وهو مجالها الأكبر والأعلى- فإنها تتوجه وجهات أخرى ضالة منحرفة ولكنها لا تُكبت ولا تموت! ولو قاومتها الدولة وسخرت منها الدعايات!

ولطول ما هرب الأوربيون من الله .. إلى"الطبيعة".. أو بالأحرى من الكنيسة التي كانت تمارس معهم صنوفا من الاستبداد والإذلال والمهانة الروحية والفكرية والمادية .. لطول ما هربوا من فكرة الله الكنسية إلى فكرة الطبيعة، نسوا أن هذه الطبيعة ذاتها غيب .. وإلا فما هي على وجه التحديد؟! وكيف تعمل؟ وما كنه الطاقة التي تشتمل عليها؟ وما كنه"القوانين الطبيعية"؟ .. كيف نشأت، وكيف التزم بتنفيذها الكون؟ وهل هي -هذه الطبيعة- قوة مسيطرة أو قوة مسيطرٌ عليها؟ .. إلخ .. إلخ.

كل ذلك غيب .. إنه غيب ضال منحرف .. ولكنه غيب .. لا تُدْرَكُ حقيقته ولكن تدرك فقط آثاره. ومن ثم فهذا الإيمان الضال"بالطبيعة"هو -من حيث جوهره- إيمان بالغيب .. عن طريق تلك الطاقة الفطرية التي تؤمن بما لا تدركه الحواس!

وهكذا تظن أوربا أنها تهرب من"الغيبيات"فتلاحقها الغيبيات في مهربها .. ولكن في صورة ضالة تناسب ما هي عليه من ضلال وانحراف.

بهذه الطاقة الفكرية إذن يؤمن الإنسان بوجود الله .. ثم يعبده أو لا يعبده. تلك خطوة أخرى!

(1) سورة البقرة [1 - 3] .

(2) سورة المائدة [94] .

(3) سورة مريم [61] .

(4) سورة الحديد [25] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت