الصفحة 48 من 169

أو الإيمان بالمحسوس، والإيمان بالغيب ..

خطان آخران من الخطوط المتقابلة في النفس البشرية ..

أحداهما يؤمن بما تدركه حواسه من سمع وبصر ولمس وشم وذوق .. والآخر يؤمن بما وراء الحس .. مما لا يُرى ولا يُسمع ولا يلمس ولا يلمس ولا يذاق ولا يشم ..

وهما خطان يسيران مقاربين لخطّي الحسية والمعنوية .. ولكنهما ليسا هما بالضبط، وإنما شبيهان ..

فهناك تحدثنا عن"طاقات"حسية ومعنوية .. عن طاقة عضلية جسمية، وطاقة فكرية معنوية .. وعن المجال الذي تعمل فيه تلك الطاقات.

وهنا نتحدث عن"الإيمان"بالمحسوس و"الإيمان"بالغيب ..

إن"الإيمان"داخل كله من حيث الشكل في نطاق الطاقة المعنوية، فالطاقة الحسية"تمارس"النشاط، ولكنها ليست هي الموكلة"بالإيمان".. ولكنه من حيث الموضوع يمد جناحيه معًا فيشملان ما تدركه الحواس وما لا تدركه الحواس. وذلك -في أبسط صورة ممكنة- توضيح لمدى التعقد والتشابك والترابط في كيان النفس البشرية، وفي خطوطها المتقابلة بصفة خاصة .. إنه لا شيء من هذه جميعًا يوجد منعزلا بمفرده، أو يعمل منعزلا بمفرده .. وإنما تعمل كلها جميعًا بطريقة معقدة متشابكة، كما يعمل الجسم كله مترابطًا متكاملا، وإن سهل علينا التمييز -في العمل- بين عضو وعضو. ولكن على أساس الترابط لا على أساس العزلة والانفصال. حتى الأعضاء المتخصصة جدًا، والتي لا تعمل -في الظاهر- بصفة دائمة كجهاز الإنسال .. حتى هذه تأخذ من الدم غذاءها لحظة لحظة .. وتصب في الدم هرموناتها لحظة لحظة .. فلا تنفصل عن بقية الجسم في أية لحظة، ولو كانت -في فترات- لا تمارس نشاطها الكبير!

والنفس كالجسم في ذلك ولكن على صورة أشد في الترابط والتشابك والتعقيد!

يؤمن الإنسان بما تدركه حواسه .. كذلك فطرته.

فهو -دون كدّ منه ولا بحث ولا سؤال- يؤمن بأن ما يراه وما يسمعه وما يلمسه وما يشمه وما يذوقه كله موجود.

ولا يتردد -إلا في الخبل الفلسفي الدائر في الأبراج العاجية لا في حقيقة الواقع! - لا يتردد في الإيمان بوجود هذه الأشياء كلها التي تدركها حواسه، والتي اصطلح على تسميتها بالكون المادي.

وقد يدور الجدل في مدى انضباط الحواس وهي تتلقى .. وهل ما تتلقاه هو"الحقيقة"كما هي موجودة في الواقع"المطلق".. أم هو صورة مشكّلة بحسب طبيعة الحواس وعلى صورتها.

ولكن الإنسان -فيما عدا الخبل الفلسفي الدائر في الأبراج العاجية- لا يساوره الشك في وجود الأشياء بالفعل، حتى وإن ساوره الشك في وجود فارق بين وجودها الحقيقي المطلق، ووجودها الذاتي النسبي كما يتشكل في داخل الحواس ..

ولا يعنينا هنا -ولن نصل فيه إلى دليل قطعي- أن نبحث في كيفية إدراك الإنسان لما تدركه حواسه وكيفية إيمانه بما تدركه الحواس .. فقصارى ما نصل إليه في هذا الشأن هو تسجيل الظاهرة وتتبع مظاهرها. أما كنهها وماهيتها فأمر لم يصل العلم فيه إلى شيء، وما أظنه يصل في أي يوم .. وهو لم يصل إلى كنه المادة ولا الطاقة ولا الإشعاع!

يعنينا فقط أن نسجل أن في فطرة الإنسان أن يؤمن بوجود ما يصل إليه عن طريق الحواس.

وفي فطرته كذلك أن يؤمن بوجود أشياء لا تصل إليه عن طريق الحواس ..

وتلك مزيته الكبرى على عالم الحيوان ..

الحيوان يتعامل مع الوجود بحواسه وحدها -فيما نعلم نحن عن ظاهر حياته- ولا يتعامل معها فيما وراء الحس.

وقد تكون له أجهزة حسية لا نعلمها، يدرك بها حدوث الزلازل والعواصف وانفجار البراكين قبل أن يحسها الإنسان .. أجهزة تتلقى الأمواج الكهرطيسية لهذه الأحداث وتترجمها بصورة ما، كما تترجم العين إشعاعات الضوء، وكما تترجم الأذن اهتزازات الصوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت