وتلك نقطة الوسط .. نقطة التحول، أو القنطرة التي يعبرها الطفل ليصل إلى الطرف الآخر .. إلى الأمور المعنوية الخالصة.
وقد تتبعنا من قبل -ونحن نتحدث عن خطّي الخوف والرجاء والكره والحب- بعض أنواع النمو من الحسّي إلى المعنوي. وهنا نقول إنها ظاهرة عامة لا تختص بهذا الخط أو ذاك .. وإنما تشمل كل النشاط البشري. كله يبدأ في نطاق الحس .. ثم يعبر القنطرة ويصل إلى النطاق المعنوي .. ثم يظل في حياة الإنسان كلها يتأرجح بين هذه النقطة وتلك، ويعبر القنطرة ذاهبًا وآبيًا، في لحظات البروز ولانحسار الدائمة التداول في الكيان البشري .. ولكنها لا تكون قط حسية خالصة ولا معنوية خالصة إلا في ظاهرها .. أما حقيقتها فهي أنها مزيج تتعدد نسبه وأشكاله، ولكن لا تتغير حقيقته المكونة من عنصرين ممتزجين.
الطعام وهو ألصق الأشياء بالطاقة الحسية -الخالصة- يعبر القنطرة فيصبح"مواعيد"و"آدابا"و"معاني"مختلفة: من اختيار، ومشاركة، ونقصٍ للطيب والحلال ..
والجنس -وهو ألصق الأشياء كذلك بالطاقة الحسية- يصبح مشاعر وعواطف و"مشاكل"نفسية وعاطفية وفكرية واجتماعية واقتصادية .. الخ.
وتلك هي معجزة هذا الكائن البشري! أنه يمارس كل نشاط الحيوان الحسي، ومع ذلك يمارسه على طريقة أخرى غير طريقة الحيوان .. يمارسه على طريقة الإنسان!
ولكن المعجزة الكبرى -التي أشار إليها جوليان هكسلي فيما نقلناه عنه في هذه الفقرة- هي ارتقاء الإنسان إلى مرحلة التفكير المجرد، وما ينشأ عنها من عقائد وأفكار وعلوم وفنون ومشاعر، وتنظيمات اجتماعية وسياسية واقتصادية وحضارية وثقفية .. إلخ. وارتقاؤه إلى إدراك"القيم"و"الفضائل"والإيمان بتلك القيم والفضائل، والتمسك بها.
حقًا إن هذه هي القمة البشرية ..
هي أبدع ما في كيان الإنسان.
ولسنا نعلم شيئًا عن كنهها وماهيتها. كيف تنشأ؟ وكيف تعمل؟ في أي مكان تسكن في الكيان البشري؟!
وقد كان هذا الجهل بكنهها وماهيتها حافزًا لبعض المدارس النفسية [التجريبية والسلوكية والميكانيكية من بينها] وبعض المذاهب الحضارية إلى إغفالها جملة، أو تفسيرها بالتفسير المادي!
ولكن -كما سبق أن أشرنا- ما المعلوم في كيان الإنسان، حتى نلغي هذه لأنها مجهولة الكيان؟!
ما المعلوم في جهاز الهضم وجهاز التنفس وجهاز الحس وجهاز الإنسال؟
هل يتجاوز المعلوم عالم الظاهر إلى حقيقة الكيان؟
هل الخلية الحية الواحدة المفردة -حتى قبل أن تتخصص إلى فم أو معدة أو عصار هاضمة أو بويضة أو حيوان منوي- هل هي شيء معروف لنا إلا من الظاهر وحده؟
هل نعلم كيف تنشأ؟ وكيف تعمل؟ والسر في نشاطها، أو السر الذي جعل أوضاعا طبيعية أو كيميائية معينة تثير فيها نشاطها وحركتها؟!
كلا. لا نعلم!
فإذا كنا نجهل كذلك ماهية الطاقة المعنوية في الإنسان .. فلماذا نفرق بين جهل وجهل .. فننفي"الوجود"عما تجهله في ناحية، بينما تثبت الوجود لما تجهله في ناحية ثانية .. ومدى الجهل واحد في الحالتين؟!
كلا! وإنما قصارى ما نفعل أن نكف -حين نتعب- عن البحث في ماهيات الأشياء ونكتفي بدارسة مظاهرها .. وحينئذ نجد مظاهر الطاقة المعنوية ظاهرة حتى للماديين كجوليان هكسلي وغيره من العلماء"الواقعيين"!
وإنما يعنينا هنا -في هذا الاستعراض- أن نثبت اتصال الطاقتين في كيان الإنسان، وأنهما معًا يمسكان الإنسان من طرفيه، أو يمدان له جناحيه .. فيمشي بجسده على الأرض وروحه محلقة في السماء!