والخالق المبدع القدير يضع كل شيء في مكانه المقدر المضبوط، حسب حكمته العليا التي لا يسبقها علم ولا يعلوها علم .. والتي تتنزه عن الخطأ والعبث والإسراف:"إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [1] ""مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ [2] ".
والدقة المتناهية المضبوطة في الكون العريض كله، التي تنتظمه من أوله إلى آخره فلا يختل توازنه ولا يخرج عن مداره قيد شعرة ولا مترا من سرعة الشعاع! هذه الدقة هي التي تضع كل شيء في مكانه الصحيح، وتضع الجنس في مكانه الصحيح من كيان الإنسان وحياته.
لذلك كان عجبًا ما زعمه فرويد من أن الكيان الجنسي يولد نشيطًا مع الطفل، ويتخذ صورًا متعددة حتى يصل إلى مرحلته الطبيعية. وهي الميل إلى الجنس الآخر في مرحلة البلوغ!
وكل الأدلة التي حشرها فرويد حشرًا ليدلل على صحة قوله .. أدلة مردودة، لأن تفسير فرويد لها ليس هو التفسير الوحيد ولا التفسير الرشيد! وإنما التفسير الأصح هو الذي يشمل ظواهر أكثر والذي يكون أكثر تمشيًا مع النواميس العامة. وهذه كلها تشير إلى أن ظهور طاقة الجنس في أية صورة في مرحلة الطفولة الباكرة أمر لا معنى له ولا ضرورة.
وسنتحدث بشيء من التفصيل عن طاقة الجنس في الفصل القادم، ونحن نتحدث عن"الدوافع والضوابط".. فنكتفي هنا بأن نقول إنها طاقة تظهر متأخرة في المجال الحسي -والنفسي كذلك- لأن دورها في حياة الإنسان يتأخر إلى ما بعد مرحلة الطفولة .. فلا قيمة لظهورها قبل الأوان.
ولا ينفي هذا أن الطفل الصغير يأخذ في"التعرف"على جسده وأعضائه الجنسية في مرحلة مبكرة .. ولكن هذه العملية -كما يقول علماء النفس جميعًا- لا تحمل طابع الجنس. وإنما هي كما قلنا عملية تعرّف .. وحتى حين يكتشف الطفل بعبثه الصبياني أن هذه المنطقة ذات حساسية خاصة، فيزداد عبثًا بها ليزداد إحساسًا بما تحدثه من لذة .. فهي مسألة لا علاقة لها بمشاعر الجنس في تلك المرحلة التي لا يدرك فيها الطفل معنى الجنس.
وحتى حين ينحرف الطفل انحرافًا شاذًا بتأثير التوجيه الفاسد من الكبار أو الأقران، فيعرف عملية الجنس كلها قبل أوانها، ويعرف ما يستخدم فيها من الأعضاء، ويشير إلى ذلك في كلامه وألفاظه وحركاته، فكل ذلك إرهاص فقط وليس حقيقة .. إرهاص بالدور المقبل. لا يزيد عن لعبة"الفروسية"التي يستخدم فيها الطفل عصاه على أنها حصان .. لا تحمل من معاني الفروسية الحقة ومشاعرها أكثر من الإرهاص!
وليس معنى ذلك كله أن الطفل لا يدرك شيئًا من مشاعر الجنس حتى البلوغ. فالخالق المبدع القدير قد جعل عملية النمو كلها تدريجية بطيئة .. ولم يجعلها مفاجئة إلا في بعض"مظاهرها"دون حقيقتها .. ومن أجل ذلك يأخذ الطفل في لمحات متوالية يدرك مشاعر الجنس .. ولكن على غير طريقة فرويد التي تنسب كل شيء إلى مشاعر الجنس، من رضاعة وتبول وتبرز ومص إبهام وحركة عضلية وحب للأم!
حرام .. أن نلقي القول على عواهنه هكذا بغير دليل! [3]
يولد الطفل بطاقته الحسية -فيما عدا الجنس- مستعدة للعمل، إما مباشرة، وإما في الأيام أو الأسابيع الأولى على أكثر تقدير ..
ومن طريقها يتصل بالحياة ويمارسها ويأخذ خبراتها ..
فهو يرى الأشياء ويسمعها ويتحسسها ويذوقها -وقد يشمها- ليتعرف عليها. وتعرفه عليها يمنحه خبرة بها، ثم يجعله -بالتدريج البطيء- يدرك أنواعًا من الترابط بينها.
ومن هنا تبدأ الطاقة المعنوية في العمل، مستندة في أساسها على الطاقة الحسية.
(1) سورة القمر [49] .
(2) سورة الملك [2] .
(3) حالات الشذوذ النفسي التي اتخذها فرويد دليله الأوحد في متاهة الجنس هذه، سنناقشها في الفصل القادم.