الحسّية والمعنوية
هذان الخطان .. الطاقة الحسية والطاقة المعنوية في الإنسان ينبعان بصورة ظاهرة من حقيقة الجسد والروح التي بنينا عليها ازدواج الطبيعة البشرية .. وإن كان ينبغي أن يقر في أذهاننا دائمًا أن الإنسان كيان موحد بالرغم من ذلك الازدواج.
"الطاقة الحسية هي طاقة الجسد المتصلة بالحواس والأعصاب والكيماويات والبيولوجيات والفسيولوجيات. والطاقة المعنوية لا يدري أحد على وجه التحديد"مكانها"و"ماهيتها"ولكنها هي التفكير التصوري التجريدي الذي يدرك"الكليات"و"المعنويات". يدرك"الفضيلة". يدرك"القيم العليا". يدرك"العدل". يدرك"الحق". يدرك"الجمال".. وما إلى ذلك من كليات ومعنويات وتجريدات" [1] .
يقول جوليان هكسلي في كتابه"الإنسان في العالم الحديث"في فصل"تفرد الإنسان":"أول خواص الإنسان الفذة وأعظمها وضوحًا قدرته على التفكير التصوري .. ولقد كان لهذه الخاصية الأساسية في الإنسان نتائج كثيرة، وكان أهمها نمو التقاليد المتزايدة .."
ويقول في موضع آخر من نفس الفصل:"وهذه الخواص التي امتاز بها الإنسان والتي يمكن تسميتها نفسية أكثر منها بيولوجية، تنشأ من خاصية أو أكثر من الخواص الثلاث الآتية:"
"الأولى: قدرته على التفكير الخاص والعام."
"الثانية: التوحيد النسبي لعملياته العقلية، بعكس انقسام العقل والسلوك عند الحيوان."
"الثالثة: وجود الوحدات الاجتماعية مثل القبيلة والأمة والحزب والكنيسة (الجماعة الدينية) ، وتمسك كل منها بتقاليدها وثقافتها."
"وهناك نتائج ثانوية كثيرة لتطور العقل من مرحلة ما قبل الإنسان إلى مرحلة الإنسان، وهي بلا شك فريدة من الناحية البيولوجية، ولنذكر منها العلوم الرياضية البحتة والمواهب الموسيقية والتذوق والإبداع الفنيين، والدين، والحب المثالي".
الطاقة الحسية هي طاقة الجسم .. المتمثلة في الطعام والشراب والجنس .. والطاقة العضلية المتحركة المنتجة في عالم الحس وعلم الماد .. طاقة"العمل".
وواضح أنها الطاقة الأولى التي تولد في الإنسان، والتي تكون -فيما عدا طاقة الجنس- قد نمت نموًا ظاهرًا مطردًا ملموسًا، قبل أن تأخذ الطاقة المعنوية في النمو ..
وليس معنى ذلك -كما أشرنا آنفا- أن الإنسان يولد وهو طاقة حسية فحسب. أي يولد جسدًا خالصًا. أو حيوانًا خالصًا. وإنما توجد في داخل كيانه الطاقة المعنوية القابلة والمكملة للطاقة الحسية. ولكنها، كما مثلناها من قبل، تكون كامنة كالقدرة على الإبصار التي لا تنمو إلا بعد حين.
يولد الطفل بحواس -تقوى تدريجيًا- وعضلات- تقوى كذلك تدريجيًا- وأجهزة جثمانية تأكل وتشرب وتفرز .. وهذا هو الكيان الحسي للإنسان.
طاقة الجنس وحدها -من بين الطاقات الحسية- هي التي تتأخر في الظهور، فتظل كامنة في الجسم حتى يأتي دورها المقدور.
ولذلك حكمته عند الخالق المبدع القدير ..
فالإنتاج الجنسي -حتى عند الحيوان- يستلزم قدرًا معينًا من النمو الجسدي و"النفسي" [2] ليتحمل الكائن -ذكرًا كان أو أنثى- ما يتطلبه اللقاء الجنسي من جهاد وبحث وكد حتى يتم؛ ثم يحتمل ما يترتب عليه من نتائج: الذرية وما تستلزمه من إطعام وعناية وتربية ورعاية .. الخ.
ومن ثم ينبغي أن يكون الكائن قد نضج في المجال الجسدي والنفسي ليصبح صالحًا للإنسان. ولا يصلح أن يكون أداة للنسل، بينما هو طفل بعد يعوله غيره في أمور جسده، ونفسه، ولا يحتمل المشقة والجهد والتبعات.
ومن أجل ذلك يصبح ظهور الطاقة الجنسية في الطفولة الباكرة أمرًا لا مقتضى له ولا مبرر .. لأنه لا يؤدى في ذلك الوقت أية وظيفة للكائن الحي.
(1) من كتاب"منهج التربية الإسلامية".
(2) نستخدم النفس عند الحيوان مجازا، وعند الإنسان حقيقة.