ثم تحدث عجيبة من العجائب في خط الحب ..
لقد قلنا إن خطّي الحب والكره هما الخطان الثانيان في تكوين النفس .. والخطّان الأولان هما الخوف والرجاء، اللصيقان بذات الإنسان.
ولكن الحب .. هذا العنصر النوراني الشفيف .. يصنع أحيانا المعجزة .. يرفع الإنسان على ذاته .. يرفعه على ذاته فيغيّر -مؤقتا على الأقل- تركيب نفسه .. ويصبح الحب هو الخط الأعمق والأوسع، حتى ليغلب في نفسه خط الخوف وخط الرجاء .. وعندذئ يضحّي الإنسان نفسه، اللصيقة بالخوف والرجاء، في سبيل"القيم".. في سبيل الله!
ليس هذا هو الإنسان"العادي".. ففي الإنسان العادي يكون ترتيب الخطوط كما ذكرنا؛ الخوف والرجاء أولا، ثم الكره والحب .. ولكن الإنسان الذي يرتفع على الخط العادي تتسع دائرة الحب في نفسه، ويكون ارتفاعه بمقدار اتساع هذه الدائرة، حتى تغلب في النهاية الخوف والرجاء الأرضي كله .. ويتبقي الخوف والرجاء من الله وحده ..
والقمة البشرية في هذا الأمر هم الأنبياء .. الذين يغلب الحب في نفوسهم على كل ما يتصل بأشخاصهم من الخوف والرجاء ..
وينبغي قبل أن نختم هذه الفقرة أن نسجل لفرويد الحقائق الجزئية التي اهتدى إليها بشأن هذين الخطين المتقابلين في النفس البشرية، وهما اللذان صرف إليهما كثيرا من جهده وأبحاثه، وإن كان قد تعسف كما رأينا في وضع الأساس الذي يفسر به هذه الجزئيات.
فقد اهتدى إلى الترابط الوثيق بين خطّي الحب والكره. وإن كان لم يدرك أنها ظارهة شاملة لكل خطوط النفس المتقابلة.
واهتدى إلى اجتماع الحب والكره أحيانا تجاه الشيء الواحد أو الشخص الواحد [ Ambivilence] وإن كان أصر على أن هذه هي الحالة الدائمة، وأصر كذلك على تفسيرها بأنها ظاهرة طبيعية لا أسباب لها! وقد رأينا أنها حالة ذات أسباب، ومن ثم يمكن على الأقل تعديل المقادير بحيث يكون الحب هو الأقوى والأدوم والأعمق.
واهتدى أخيرا إلى أن الإنسان ينتقل أحيانا -بلا سبب ظاهر- من حب شيء أو شخص إلى كراهيته والنفور منه فجأة أو تدريجا. وتلك ملاحظة صادقة ولا شك. ولكنه اتخذ منها دليلا على وجود الكره تلقائيا مع الحب -بدون سبب- تجاه كل شيء وكل شخص [ Ambivilence] ، وقال إنها مجرد انقلاب للوضع، بحيث يتحول الكره الذي كان مكبوتا في اللاشعور إلى كره واع على السطح، ويكبت الحب المقابل له في اللاشعور!
ولا نستطيع أن نؤيده في هذا التفسير .. ففضلا على أنه لم يفسر الظاهرة ذاتها؛ لم يفسر سبب هذا الانقلاب المفاجئ أو التدريجي .. سبب تحول اللاشعور إلى شعور .. إذ أنها ليست ظاهرة دائمة ولا شاملة ولا عامة عند جميع الناس .. وإنما هي حالات فردية في المشاعر وفردية عند الأشخاص .. فضلا عن أنه لم يفسر الظاهرة ذاتها وإنما سجل حدوثها فقط، فإنه اتخذ منها دليلًا اعتسافيًا لإثبات أمر لا تثبته بالضرورة .. فهو ككل شيء مما تناوله فرويد، يحتمل أكثر من تفسير.
أما نحن فلا نقول في هذه الظاهرة إلا ما قال الله سبحانه في كتابه:"وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ" [1] . وإلا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرّفها كيف يشاء [2] ."
فكل شيء يمكن أن يفسر بالعلم والمنطق. إلا تحوّل القلوب!
(1) سورة الأنفال [24] .
(2) حديث رواه الإمام أحمد في مسنده.