الصفحة 43 من 169

وهذا هو"الغل"الذي يقول القرآن إن لله سينزعه من قلوب المؤمنين يوم القيامة [أي أنه موجود في قلوبهم في الدنيا!] :"وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ" [1] .

وسنتحدث في نهاية الفصل عن"التهذيب"الذي يشمل الخطوط النفسية كلها، وبخاصة خطّي الخوف والرجاء، والحب والكره ..

وهو تهذيب -كما سنتبين- ضروري للحياة البشرية في مجموعها.

ولكنا نود أن نشير هنا إلى أن الكره لا يكون وحده مسيطرًا أبدًا على النفس السوية .. ولا يتحول إلى حقد إلا في النفوس المريضة المنحرفة .. لأن الحب الذي يحسه الإنسان للناس عامة .. للآخرين كلهم. هو حب فطري وعميق. وهو يعمل على موازنة الكره فلا يطغى على الإنسان، حتى مع شعوره بذاته، وحب الخير لنفسه.

وإنما يعمل التهذيب على التقليل إلى آخر مدى من ذلك"الغل"الموجه للآخرين، بوسائل سنذكرها في أثناء التعقيب على الخطوط المتقابلة. ولكنه لا يفرض على الإنسان شيئًا من خارج نفسه، ولا"يكبت"طاقة الكره بحيث تحتدم -مكبوتة- في داخل النفس وتوجه خط سير الحياة من وراء الستار كما زعم فرويد في كتبه كلها، وخاصة كتاب"Totem & Taboo"الذي يصف فيه الحياة الاجتماعية والوجدانية والدينية والفكرية للبشرية من خلال عقدة أوديب والازدواج العاطفي الذي سبقت الإشارة إليه، والذي يزعم فيه أن الكره ناشئ من الحب -ضريبة مفروضة بغير أسباب!

هذا الحب .. الذي يبدأ متصلا بالثدي والحضن، ثم يعبر هذه القنطرة إلى عالم"المشاعر"والمعنويات ... إنه عالم عجيب جدا .. رائع جدا .. ونبيل جدا:

إنه يظل يرتفع ويتسع .. من نقطة الثدي الصغيرة التي تكوّن عالم الطفل كله .. حتى يشمل العالم كله .. حقيقة لا مجازا .. يشمل الكون كله والحياة كلها والإنسان .. ويصل إلى الله.

إنها طاقة ضخمة جدا .. وذات استعداد عجيب للسعة والارتفاع ..

فبعد أن يحب الطفل أمه كلها .. لا ثديها وحضنها فحسب .. بل هي كلها كذات مستقلة عنه، حبيبة إليه، وبعد أن يحب أباه كذلك، ويحب من حوله من الناس ممن يلاطفونه ويلاعبونه ويعاونونه على الحركة والسير والكلام والتفكير ..

يتسع عالمه الحسي ويتسع معه كذلك نطاق الحب ومستواه.

لقد أصبح يحب أمكنة معينة وأشياء معينة .. و"مواقف"معينة.

يحب اللعب وأدوات التسلية والحلوى والطعام ... إلخ.

ويحب أن يُحْمَل .. وأن يدلل .. وأن يناغى .. وأن يُبْتَسَم في وجهه. وأن يشجّع ..

هذه ليست مسائل حسية .. أو ليست حسية خالصة .. فهي مواقف"معنوية". إنها -في عالمه- قيم وأعمال .. وليست أعمالا فحسب.

وطبيعي أن"القيم"التي يحبها بادئ ذي بدء هي القيم اللاصقة بذاته، التي تحدث له المتعة والسرور.

ولكن عملية النمو العجيبة التي وهبها الله للإنسان، تخرج به من حدود ذاته المفردة، على خط"الجماعية"الذي سنتكلم عنه فيما بعد، فيحب الآخرين، ويحب -بالتدريج- قيما تستلزمها الحياة مع الآخرين ..

ونمو هذه القيم ليس أمرا هينا في مبدئه .. بل إنها لتكون كريهة في بادئ الأمر .. تقع في دائرة الكره لا في دائرة الحب ..

ورويدا رويدا تنتقل .. فتنزلق من خط الكره .. حتى تصل إلى خط الحب .. ثم تصعد معه درجة درجة حتى تصل إلى أعلى الآفاق ..

عندئذ يحب الإنسان"العدل"و"الرحمة"و"الصدق"و"الشجاعة"و"الإنسانية"..

ويحب الكون .. يحب"الطبيعة"..

ويحب الجمال.

ويحب الحياة والأحياء ..

ثم يصل إلى القمة القصوى فيحب الله ..

ويعود هذا الحب العلوي فينشر ظلاله على كل أنواع الحب .. فيربطها بالله ..

وتلك قمة الحب في النفس البشرية حين تصل غايتها من الصفاء .. عند الطرف الملائكي من الإنسان ..

(1) سورة الحجر [47] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت