ويكره الطفل أباه -الذي يحبه حبًا لا شك فيه- لأنه تتمثل فيه القوة الآمرة الناهية، التي تضع حدًا لتصرفات الطفل السائبة بلا حدود. فهو يمنعه من الإمساك بهذا الشيء أو ذاك. أو يمنعه من قضمه. أو ينهره بشدة إذا أتى عملا لا يرضى عنه. أو يضربه. أو يمتنع عن حمله. أو يتركه ويخرج لعمله وهو متعلق بحضنه .. إلخ .. إلخ .. وكلها أسباب تنشئ الكره. ويتبدى الكره كذلك في ضرب الطفل لأبيه أو عضه له! ولكن هذا الكره كله لا يقوى على مواجهة الحب العميق العنيف الذي يحسه نحوه. ومن ثم يكون -ككرهه لأمه- مؤقتًا وفي صورة نزوات. ويظل الحب هو المسيطر. وسواء رسب الكره في اللاشعور أم بقي في دائرة الشعور فهو كره مسبب، ليس ناشئًا نشوءًا ذاتيًا من الحب، وليست المشاعر الجنسية تجاه الأم داخلة كذلك في أسبابه .. إلا في مظهر واحد خادع .. فالطفل يغار على أمه حقًا لأنه يشعر بالامتلاك الكامل لها. فهو يكره أن ينافسه فيها أحد البتة. يستوي في ذلك أبوه أو أي أحد غيره .. ولكن أشد من يكره منافسته ليس أباه .. وإنما هو الطفل الوافد بعده، الذي يخلفه على الثدي والحضن، وينتزعه من مملكته وينزله من عرشه! ذلك هو الذي لا يطيقه الطفل بحال!
أما أسطورة العشق الجنسي للأم، وكراهية الأب بسبب منافسته عليها، فالذي يهدمها من أساسها أن الطفلة كذلك تشعر بالامتلاك الكامل للأم، وتكره كل من ينتزعها منها وبخاصة الوافد الجديد!
والحالات التي أفنى فرويد عمره في تحليلها ليثبت أن كراهية الطفل لأبيه عميقة جدًا في لا شعوره، ومرتدة إلى أيام الطفولة الأولى. حالات نحن على استعداد كامل للتسليم بها، سواء كانت شاذة أو سوية .. ولكن الذي لا نسلم به -لأنه لا يحمل أي دليل علمي- هو أن سبب الكره هو العشق الجنسي للأم [عقدة أوديب] والشعور بمنافسة الأب -جنسيًا- في الاستيلاء على الأم.
يقول فرويد إن الأحلام التي يرى فيها الطفل حيوانًا مزعجًا يهجم عليه ويهم بافتراسه هي تعبير لا شعوري عن كراهية الأب ..
ويروح"يتعمق"جدًا في البحث، فيقول إن حلول الحيوان محل الأب في الرمز اللاشعوري الذي يستخدمه العقل الباطن في الحلم، سببه أن البشرية الأولى قتلت أباها لتستأثر بأمها (!!) ثم أحست بالندم على ذلك فقدست ذكرى الوالد وعبدته تكفيرًا عن خطيئة القتل. ثم استبدلت به عبادة الحيوان. ومن ثم رسب في لا شعور البشرية استبدال الحيوان بالأب. وصار اللاشعور -حين يحب أن يرمز إلى كراهية الأب- يرمز لذلك بحيوان مفترس هاجم على الطفل.
وهذه اللفة الطويلة الملتوية التي يلفها فرويد .. سنفترض جدلا أنها صحيحة بحذافيرها!
فلماذا تحلم الطفلة الأنثى كذلك بحيوان مفترس هاجم عليها؟! بينما هي -في زعم فرويد تعشق أباها عشقًا جنسيًا، وتكره الأم التي تنافسها في هذا العشق [عقدة إليكترا] والأم لم يقتلها أحد، ولم يقدس ذكراها أحد تكفيرًا عن الخطيئة، ولم يستبدل بها أحد عبادة الحيوان؟!
أما الكره الموجه للناس عامة .."للآخرين"كلهم .. فله كذلك أسباب!
سببه هو الوجود ذاته!
فالطفل -أو الإنسان عمومًا- يكره الآخرين لأنه يحب ذاته! ويحب الخير لذاته:"وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ" [1] "وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ" [2] . وما دام متمركزًا حول ذاته، شاعرًا بوجودها شعورا مبالغًا فيه، فإنه يكره الآخرين لمجرد وجودهم! لأنه يحس وجودهم ضاغطًا على وجوده، مضيقا عليه.
(1) سورة العاديات [8] .
(2) سورة النساء [128] .