ويبدو على أي حال أن الحب -وهو في عام الطفل الرضيع عبارة عن"الالتصاق"- يكون أول الخطين المتقابلين في الظهور. ويكون الخلط المقابل له كامنًا في النفس لأنه لا يجد بعد ما يثيره. ولكنه ولا شك موجود فهو يكره مثلا أي شخص يحاول أن ينتزع الثدي من فمه. ولو كانت أمه ذاتها التي يحبها. ويكره أي شخص يحاول أن ينتزعه هو من حضن أمه. ولو كان أباه الذي يحبه [حتى يألفه بالدرجة التي يستريح فيها إليه كما يستريح للأم، أو يكون راغبًا من تلقاء نفسه في الذهاب إليه] . ثم هو في مبادئ مرحلة الوعي هذه يكره وجوهًا معينة وأشخاصًا معينين بغير سبب ظاهر .. ولو توددوا إليه. وكل ذلك يثبت وجود الكره في النفس في تلك المرحلة المبكرة، ملازما لظهور الحب أو لاحقًا له بقليل.
ولكن الأسطورة التي رددها فرويد في معظم كتبه عن الازدواج العاطفي Ambibilance بمعنى نشوء الحب والكره نشوءًا ذاتيًا في وقت واحد تجاه كل شيء وكل شخص يقع في عالم الإنسان .. أسطورة لا دليل عليها من الواقع .. إلا هذه الظاهرة الخادعة، وهي أن الإنسان كثيرًا ما يكره الشخص أو الشيء الذي يحبه دون أن يعي الأسباب الدافعة إلى هذا الكره.
وهي ظاهرة خادعة كما قلنا لأن الكره في كل حالة له سبب. وحين يحدث أن يختفي السبب في اللاشعور فليس معناه أنه لم يكن موجودًا بادئ ذي بدء في نطاق الشعور، أو أنه نشأ نشوءًا ذاتيًا من الحب وبسبب الحب كما يزعم فرويد.
فالطفل يكره أمه -التي يحبها حبًا لا شك فيه- لأنها تنزع الثدي من فمه [حين ترى أنه يحسن كفه عن الرضاعة- بينما يحس هو -من وجهة نظره- أن الثدي ملكه هو، وهو صاحب التصرف فيه، وهو الذي ينبغي أن يعلن الاكتفاء منه حين يريد! ويكرهها لأنها تنزع عنه ملابسه حين تتسخ وتلبسه ملابس غيرها، في حركات تضايقه وتحز في نفسه كما تحز في جسمه! ويكرهها لأنها تبل جسمه بالماء حين تحممه، ولا تصيخ لصراخه فتكف عنه هذه المهمة الثقيلة! ويكرهها لأنها تكفه عن لمس أشياء يرى هو أن من حقه أن يلمسها، أو قضم أشياء [ضارة] يرى هو أن من حقه أن يختبرها بأسنانه"ليعرفها".. إلخ .. إلخ .. وكلها أسباب تنشئ الكره. ويتبدى هذا الكره في ضرب الطفل لأمه على وجهها وما يطوله من جسمها في أثناء الرضاع أو في غير الرضاع. ولكن هذا الكره كله لا يقوى على مواجهة الحب العميق العنيف الذي يحس به نحو أمه. ومن ثم يكون مؤقتًا، وفي صورة نزوات، ويظل الحب -قبلها وبعدها- هو المسيطر على مشاعره تجاه أمه. وسواء رسب هذا الكره في اللاشعور أم بقي في دائرة الشعور [وهذا ممكن] فهو كره مسبب، وليس بلا سبب كما يزعم فرويد.