الصفحة 40 من 169

والذي يدرس التنويم المغنطيسي -وهو ظاهرة معترف بها- ويرقب كيف تنتقل الأفكار والمشاعر والأحاسيس من نفس إلى نفس مع الأمواج المحسوسة الصادرة من المنوِّم إلى المنوِّم .. يعجب لهذا الامتزاج بين الحسيّ والمعنوي في كيان الإنسان!

وكما ينشأ الخوف والرجاء في نطاق المحسوس أولا، ثم يرتقيان إلى نطاق المعنويات .. فكذلك ينشأ الحب والكره في نطاق المحسوس ثم يرتقيان إلى نطاق المعنويات.

وكما يَعْبُر الخوف والرجاء قنطرة الثدي والحضن، ليصلا من الحسيّ إلى المعنوي، فكذلك يعبر الحب والكره القنطرة ذاتها ليصلا من الحسيّ إلى المعنوي.

أول حب يحسه الطفل هو حبه لأمه .. التي ترضعه وتحتضنه. فالحب -كما ترى- متصل اتصالا كاملا في أول ظهوره بالثدي والحضن.

وقد زعم فرويد بطبيعة الحال أن هذا الحب جنسي! وتعسف وتمحل ليقول إن كل لذة بيولوجية -من طعام أو شراب أو تبول أو تبرز أو حركة عضلية - هي لذة جنسية، على أساس أن الكيان البيولوجي ذاته مصبوغ بصبغة جنسية، فكل ما يصدر عنه ملوث بلوثة الجنس!

وبصرف النظر عن هذا التعسف"الاستبدادي"الذي لا يحمل دليله في هذا الفرض .. فإننا نتمشى مع فرويد خطوة أخرى لنكشف زيف نظريته على نطاق أوسع ..

فالحب -دون شك- يتعدى بعد قليل نطاق اللذة البيولوجية، فيتجه"لشخص"الأم ذاتها حتى في غير ساعات الثدي والحضن .. إنه يعبر القنطرة كما قلنا ويصل إلى نطاق"المشاعر".. والطفل يحب أمه قطعا لأنها هي التي ترضعه وتحتضنه .. ولكن امتداد الحب إلى ما بعد لحظة الرضاعة والاحتضان هو بدء الدخول في العالم المعنوي، الذي ينبني على أساس حسي ولكنه ليس حسيا خالصا على أي حال.

في هذه المرحلة .. التي لا يكون فيها الحب بيولوجيا بحتا ... حين يبدأ الحب يصبح أمرا"نفسيا"أكبر من الكيان البيولوجي .. كيف يتجه الطفل الذكر والطفلة الأنثى نحو أمهما بالحب، إذا كان هذا الحب مسألة"جنسية"كما يزعم صاحب التفسير الجنسي للسلوك البشري؟!

ثم إن الذي يثبت لنا أن هذا الحب"حب"لا"جنس".. أن الطفل بعد فترة يأخذ في الارتياح إلى أشخاص آخرين غير أمه .. منهم الأب، ومنهم الأقرباء والأصدقاء .. فيلصق بهم ويهفو إليهم .. وإن كان أحد منهم لا يغني -بعد- عن الأم. وإنما هو مجرد مظهر لاتساع الحب في نفس الطفل مع اتساع إحساسه بالكون الخارجي، الذي يقع خارج نطاق ذاته. وفي هذا يستوي الطفل والطفلة بلا تمييز. مما يثبت أن أسطورة الجنس في هذه المرحلة من العمر غير قائمة على أساس!

إنما يجيء الحب الجنسي في مكانه الطبيعي من مراحل النمو، حيث تحتاج إليه البنية النفسية للكائن الحي، ليؤدي دوره البيولوجي المقسوم.

هل يظهر الحب وحده في عالم الطفل دون الكره في مبدأ الأمر؟

لقد قال فرويد نفسه في كتاب"Totem and Taboo"إن حب الطفل لأبيه يسيطر على نفسه وحده لفترة من الوقت، قبل أن يظهر الكره في عالمه الشعوري تجاه الأب -فيما يزعم- بسبب منافسته على الأم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت