الحب والكره خطان شديدا العمق في النفس الإنسانية، حتى ليبدو لأول وهلة -كما بدا لفرويد- أنهما الخطان الأولان في كيان النفس. ولكنا رأينا في الفقرة السابقة ونحن نتدرج مع الطفل منذ مولده، أن خطي الخوف والرجاء أسبق ظهورًا، لأنهما ملتصقان بذات الطفل، قبل أن يعرف الحب والكره، اللذين يربطان بينه وبين عالم خارج عن كيان ذاته ..
ومن ثم يبقى الخوف والرجاء -المتصلان بالذات- أعمق خطين في الكيان البشري وأوسع طين، رغم السعة والعمق اللذين يتصف بهما خطا الحب والكره في كيان الإنسان!
ويكاد الحب والكره يشملان نفس المجال الذي يشمله الخوف والرجاء، ولكن هناك فوارق في"الشكل"وفي"الموضوع".
فالدائرتان لا تنطبقان انطباقا كاملا، وإنما تشتتركان في جزء كبير منهما، ثم تختص كل منهما يجانب لا تشاركها فيه الأخرى. فالخوف والرجاء يشتركان مع الكره والحب في نطاق معين .. ولكنهما يفترقان بعد ذلك. فقد يحب الإنسان شيئًا أو شخصًا لا"يرجوه"لشيء معين. وقد يكره شيئًا أو شخصًا لا يخاف منه. وإنما يحبه لأن هناك"انسجاما"و"توافقًا"و"التقاء"و"امتزاجًا"بينهما. ويكرهه لأنه لا التقاء بينهما ولا انسجام. وفي الوقت ذاته قد يحب الإنسان شيئًا يخافه، كما يحب الإنسان المخاطر، وقد يكره شيئًا ويرجوه! كما يرجو لنفسه السلامة في موقف معين، ثم يكره ما يصيبه من خزي فيه! هذا إلى جانب أن هناك فارقًا أساسيًا في"طعم"كل من الشعورين واتجاههما: الخوف والرجاء أمران لاصقان بالذات، متمركزان حولها، واتجاههما نحو الداخل. نحو المركز. أما الحب والكره فشعوران نابعان من الذات ولكن متجهان نحو الخارج .. نحو الآخرين.
ومن العسير وصف هذه المشاعر الأولية .. سواء الخوف والرجاء أو الحب والكره .. وهي من بديهيات النفس التي لا تحتاج إلى وصف، وإنما يدركها كل إنسان كما يدرك الجوع والعطش واللذة والألم بمجرد أن يمارسها في واقع كيانه. ولكن ربما كانت"الجاذبية"في الطبيعة، وهي ظاهرة تجاذب الأجسام [أو تنافرها] ، هي أقرب الصور للحب والكره في النفس. وهناك -في هذا الشأن بالذات- مشابه عجيبة بين الجاذبية وقوانينها في الطبيعة، وبين الحب والكره ومظاهرهما في الإنسان:
فالذي يرقب قطعة الحديد الموضوعة أمام المغنطيس، كيف تهتز وتضطرب، ثم تتجه إلى المغنطيس في قوة متزايدة حتى تلتصق به .. ثم يرقب كيف تهتز نفس بشرية تجاه نفس اهتزازة الحب، ثم تتجه نحوها في قوة متزايدة حتى تلتصق بها ولا تريد أن تفارقها ..
والذي يرقب تنافر القطبين المتماثلين في المغنطيسية .. كيف يهتز أحدهما أو كلاهما في حركة نفور وتباعد حتى ينتهي بهما الأمر على وضع من النفور .. ثم يرقب شعور الكراهية في نفسين بشريتين: كيف تهتز إحداهما أو كلتاهما في حركة نفور وتباعد حتى يستقر الأمر بينهما على النفور ..
الذي يرقب هذه العملية وتلك يجب مشابه عجيبة بين هاتين العمليتين في عالم المادة وعالم النفس، حتى ليعجب بادئ ذي بدء: هل الحب والكره -في صورتهما الحسية على الأقل- ميراث ورثته النفس من مادة الكون؟!
والذي يدرس ظاهرة الجاذبية من داخلها [وإن كان لا يصل إلى كنهها، فتلك من المجاهيل التي لم تكشف للإنسان] ، ويعرف سلوك الأمواج الكهرطيسية [الكهربائية المغنطيسية] التي تسبب التجاذب أو النفور، ثم يرقب"الأمواج الشعورية"التي تختلج بها النفوس فتكره أو تحب ..
الذي يدرس هذه الظاهرة وتلك، يجد مشابه عجيبة بين عالم الإشعاع في الكون وبين النفوس البشرية، حتى ليعجب: هل الحب والكره -في صورتهما النفسية- ميراث ورثته النفس من عالم النور وعالم الإشعاع؟!