ولكنه يعنى على وجه التحديد أن الجانب الواعي منه -الناشئ في الفطرة من نفخة الروح في قبضة الطين- يكون"كامنا"في كيانه لم ينشط بعد، ولم يبرز إلى عالم العيان. كما تكون"الرؤية"كامنة في جهازه العصبي ولكنها غير ظاهرة في عينيه في الأيام الأولى من الميلاد [1] .
ومن ثم فإن خطّي الخوف والرجاء يعملان بادئ ذي بدء في نطاق الحس ثم يأخذان رويدًا رويدًا يعملان عل مستوى الكيان المتكامل الذي يشمل الجانب الحسي والمعنوي ممتزجين متحدين.
فهو في أيامه الأولى يخاف ويرجو -كما أسلفنا- في نطاق الثدي والحضن الآمن فحسب. أي في النطاق المحسوس وحده، وفي النطاق المباشر. ولكنه بعد فترة .. بعد أن يعمل"الوعي"في كيانه .. يأخذ يخاف من الظلمة .. ومن الوحدة .. ومن وجوه الآخرين! وهي أشياء لم يكن ليخاف منها في بادئ الأمر لأنه لم يكن على وعي بوجودها!
وإذا كانت هذه أمورًا حسية، ولكن على نطاق أوسع من الثدي والحضن، فإنه بعد فترة أخرى يبدأ يخاف ويرجو على نطاق معنوي وإن كان -بعد- على مقربة من النطاق الحسي. فهو حين يخاف من الوقوع، أو من الصعود على شيء مرتفع لا يكون الأمر حسيًا بحتًا، وإنما يصاحبه لون من"التصور"للمسافات والأبعاد، والآثار الحسية التي تنجم من السقوط. بينما كان الفزع من الظلمة أو الوحدة في المرحلة السابقة خوفا"غريزيا"لا ينشأ من تصور شيء معين بالذات (وهو يفترق طبعًا عن الخوف الذي يمارسه الأطفال الأكبر سنًا من الظلمة والوحدة، والذي ينشط فيه الخيال فيهيء للطفل مئات من الكائنات المخيفة والحالات المفزعة تثير الفزع في حسه) .
فإذا ارتقى درجة أخرى أصبح يخاف ويرجو في نطاق المعنويات إلى جانب الحسيات .."فيخاف"من تعبير الناس له إذا أخطأ في أداء عمل معين. و"يرجو"أن يوفق فينال إعجابهم. ويخاف أن يحرم من رضا أبويه عنه إذا أتى عملًا معينًا ينهيانه عنه، ويرجو أن ينال رضاهما بإتيان ما يشجعانه عليه من الأعمال ..
وهنا يبدأ في دخول عالم"القيم"..
لقد بدأ مرحلة حاسمة من مراحل نضوجه .. فلم يعد العمل -أيّ عمل- مستقلا في حسه وقائمًا بذاته، وإنما أصبحت تصاحبه"قيمة"من القيم ..
قيمة تبدأ على نطاق أشبه بنطاق الحيوان .. بطريقة الفعل الشرطي المنعكس .. طريقة التلازم اللاإرادي بين الفعل ورد الفعل [كما يُعَوَّدُ الكلب مثلا على أن يُدَقّ له جرس ثم يعطى الطعام. فيتلازم الجرس والطعام في جهازه العصبي. فإذا سمع الجرس بعد ذلك سال لعابه حتى ولو لم يكن هناك طعام] !
ولكنها سرعان ما تنتقل إلى دائرة الوعي .. و"يفكر"فيها الطفل تفكيرًا مليًا .. و"يتعلم"أنه حين يقوم بعمل ممنوع يصيبه الأذى، وحين يقوم بعمل مرغوب يصيبه ما يسره ويبهجه.
وهذه الخطوة ذاتها تبدأ أولا على نطاق حسي .. فاللذة والألم اللذان يتعامل معهما أولا، واللذان يُنشئان"القيم"في نفسه هما لذة وألم حسيان. ولكنه بعد فترة يرتقي فتصبح اللذة المعنوية والألم المعنوي -كابتسام الأم وتشجيعها، أو عبوسها وتأنيبها- حافزين واقعيين لإنشاء القيم وتعميقها في النفس.
ثم تنمو نفسه وتتسع .. فيصبح الخوف والرجاء ملء عالمه كله، مشتبكين بكل حسياته ومعنوياته، بكل أعماله ومشاعره، بكل أفكاره ومبادئه .. بكل لحظة تمر عليه في هذه الحياة!
(1) رغم أن الطفل البشري يولد بعينيه مفتوحتين إلا أنه لا يرى بهما شيئًا على الإطلاق في الأيام الأولى، ثم يأخذ في الرؤية بالتدريج، ولكنه لا يستطيع أن يركز بصره بعينيه الاثنتين معا قبل نهاية الشهر الأول، حيث يستطيع أن يرى أمه بوضوح ويعرفها.