وعلى ضوء هذه الحقيقة تتضح لنا جملة أخطاء في نظريات فرويد، يحسن أن نلم بها قبل أن نمضي في الطريق:
الخطأ الأول -وقد ذكرناه من قبل- أن خطي البشرية الأولين -قبل الحب والكره- هما الخوف والرجاء. ومن ثم لا يجوز تفسير النفس البشرية من خطي الحب والكره دون خطي الخوف والرجاء .. على أنه من الخطأ في الحقيقة تفسير النفس بأي من هذه الخطوط وحدها دون بقية الخطوط. فقد أكدنا هذه الحقيقة من قبل: أن النفس تعمل بمجموعها كله. وكل تفسير لها بجزء منها منفصل ومستقل، هو تفسير مشوه وخاطئ. وإذا كنا نضطر هنا"لتنصيص"النفس وتجزئتها، فتلك ضرورة من ضرورات البحث لا تعني مطلقًا أن النفس هكذا في حقيقتها. وكل الخطوط المتقابلة في النفس البشرية هي أجزاء من الكيان الشامل، ولكنها -رغم وضوحها وتميزها الذاتي- لا تعمل وحدها أبدا، ولا تعمل بمعزل عن بقية الخطوط. وإنما تعمل كلها متشابكة مترابطة متصلة -لا كل زوج بنفسه فحسب- بل كل الأزواج في وقت واحد وفي جميع الحالات، مع بروز مؤقت لبعض الخطوط وانحسار مؤقت لبعضها الآخر .. ولكن دون استقلال ولا انفصال.
والخطأ الثاني: أن الخطين المتقابلين يمكن أن يعملا معًا وفي ذات الوقت في دائرة الشعور والوعي -أو في دائرة اللاشعور- دون أن يستلزم ظهور أحدهما"كبت"الآخر ودفنه في اللاشعور! فمخاوف الرضيع وآماله -كما رأينا- تدور حول الثدي والحضن والراحة والأمن. وهو إذ يتشبث بالثدي فهو"يرجوه"و"يخاف"أن ينتزع منه في ذات الوقت بلا تعارض! فإذا اطمأن إلى وجوده في شفتيه وراح يمتص منه رحيق الحياة فقد ينسى -مؤقتًا- خوفه على ضياعه. ولكنه لا يحتاج أن"يكبت"هذا الخوف فهو موجود -مع الرجاء- في دائرة الشعور. ثم إن الرغبة في الثدي والخوف من انتزاعه، قد يهبطان معًا إلى دائرة اللاشعور حين يكبر الطفل، فيكونان معًا على درجة واحدة من الشعور أو اللاشعور.
وسنرى عند الحديث عن الحب والكره، كيف يمكن أن يتصل هذان الخطان في نطاق الشعور، ونطاق اللاشعور، على نسق ما ينصل خطا الرجاء والخوف سواء بسواؤ.
والخطأ الثالث: أن أول خطين يبرزان في النفس البشرية ويأخذان في العمل، وهما الخوف والرجاء، لا يتصلان أدنى اتصال بأسطورة الجنس التي بنى عليها فرويد كل أوهامه، وراح يفسر بها في تعسف كل كيان النفس وكيان الحياة! فهما متصلان بالعملية البيولوجية الأولى وهي حفظ الذات عن طريق الطعام. ولا يمكن بحال من الأحوال أن تكون"جنسية"ما دام يستوي فيها الرضيع الذكر والرضيع الأنثى بنفس الصورة ونفس التفاصيل. وحين يتمحل فرويد فيقول إن الإحساس البيولوجي عند الرضيع هو إحساس جنسي، وإن كل لذة بيولوجية من طعام أو شراب أو تبول أو تبرز هي لذة جنسية، فعليه وزر هذا التمحل وحده .. فليس له عليه من دليل! والحيوان ذاته -أبو الإنسان في رأي دارون وفرويد- لم يقل عنه أحد إنه يتناول طعامه بلذة جنسية، فما بال الإنسان وحده هو الذي تنصب عليه لعنة الجنس من المولد إلى الممات؟!
وإذ تبينا هذه الأخطاء في نظرية فرويد، نمضي في الحديث عن خطي الخوف والرجاء.
الطفل البشري شديد الشبه بالحيوان .. فهو يعيش في نطاق ذاته وفي نطاق جسمه .. ولكنه سرعان ما ينمو نفسيًا وشعوريًا، لأن في كيانه الاستعداد الفطري لهذا النمو.
ولا يعنى ذلك بطبيعة الحال أنه يكون جسمًا خالصًا في أية لحظة من اللحظات عند مولده!