"خطان متقابلان من خطوط النفس، يوجدان فيها متجاورين مزدوجي الاتجاه."
"إن النفس -بطبيعتها- لتخاف وترجو. هكذا ركب في فطرتها .. يولد الطفل وفيه هذان الاستعدادان متجاورين. يخاف الظلمة ويخاف الوحدة ويخاف السقوط ويخاف الاصطدام ويخاف المناظر التي لم يألفها والأشخاص الذين لم يألفهم .. ويرجو .. يرجو الأمان والراحة والدفء والاستقرار في حضن أمه وهو يرضع، وبعد ذلك في حضن أمه وفي حجر أبيه وفي يد من يستريح إليهم من الناس. وينمو الطفل وينمو معه هذان الخطان المتقابلان. وتتنوع المخاوف ويتنوع الرجاء، ولكن الخطين هما هما، في تقابلهما وازدواجهما، يحددان له مشاعر الحياة واتجاهاتها. يخاف الموت، ويخاف الفقر، ويخاف العجز، ويخاف الخيبة، ويخاف الخزي، ويخاف الألم الحسي والمعنوي، ويخاف المجهول .. كلها مخاوف. كلها أنغام مختلفة تصدر عن هذا الوتر الواحد الذي يعتبر -كزميله المقابل له- أقوى الأوتار و"أوسعها"من القمة إلى القرار .. وهو كذلك يرجو الاستقرار والأمن والراحة كما كان يرجوها وهو طفل، ولكن على مستويات أعلى وأوسع، ويرجو التوفيق ويرجو القوة، ويرجو المكانة، ويرجو الجاه، ويرجو النعيم، ويرجو آمالا شتى لا تنقضي .. ولا تحصى. كلما تحقق أمل جدّ أمل جديد."
"والخوف والرجاء بقوتهما تلك وتشابكهما واختلاطهما بالكيان البشري كله في أعماقه، يوجهان في الواقع اتجاه الحياة ويحددان للإنسان أهدافه وسلوكه، ومشاعره وأفكاره، فعلى قدر ما يخاف ونوع ما يخاف .. وعلى قدر ما يرجو، ونوع ما يرجو .. يتخذ لنفسه منهج حياته، ويوفق بين سلوكه وبين ما يرجو وما يخاف" [1] .
هذان الخطان -فيما أرى- هما أسع وأعمق الخطوط المتقابلة في النفس البشرية. أوسع وأعمق من خطي الحب والكره الذين ركز فرويد عليهما انتباهه. فالطفل قبل أن يتعلم الحب والكره، وهما شعوران يتجهان نحو الخارج -نحو الآخرين- نحو العالم الخارجي - يحس إحساسًا فطريًا بالخوف على ذاته، وإحساسًا فطريًا آخر بالأمن على ذاته في حضن مرضعته- وهي أمه في الغالب. وهذا أمر منطقي فذاته -في مبدأ الأمر- هي عالمه كله، والخوف عليها وطلب الأمن لها هما أول شعورين"منطقيين"مع هذا الكيان المركز في الذات. وثدي الأم (أو المرضع) وحضنها، هما أقصى ما"يرجوه"في عالمه الصغير هذا المتصل اتصالا مباشرًا بذاته، وذلك قبل أن"يعرف"من هي أمه أو مرضعته، أو ما هو الثدي الذي يطعم منه؛ وقبل أن يحس"بالحب"نحو شخص الأم .. والبعد عن الثدي أو الحضن هو أشد ما"يخافه"في تلك الفترة، قبل أن"يعرف"شيئًا يحس نحوه"بالكره".
وإنما يجيء الحب والكره تالبين في نفسه للرجاء والخوف .. حين يتسع عالمه قليلا، ويشرع في الخروج من ذاته، فينشئ صلات"نفسية"بمن حوله وما حوله، تَعْبُرُ على قنطرة الصلات"الجسمية"أولا، على قنطرة الثدي والحضن، ثم تستقل عنها، فتصاحبها أو لا تصاحبها .. حسب الأحوال.
ومن هنا كان خطا الخوف والرجاء أعمق الخطوط لأنهما أول الخطوط تميزًا في كيان النفس، ولأنهما ألصق الخطوط بالذات ...
وبصرف النظر عن طبيعة الصلة بين حقيقة الجسم والروح وبين خطي الخوف والرجاء، ومدى نشوء الحقيقة الثانية من الحقيقة الأولى -وهي مسألة لا نقطع فيها بيقين- فإن الخطين -كما رأينا- يعملان معًا مترابطين ومتصلين، كالترابط القائم بين الجسم والروح!
يعملان معًا في نطاق واحد وفي"موضوع"واحد، هو في مبدأ الأمر الثدي والحضن .. أو هو من ناحية أخرى تلك العملية"البيولوجية"المتصلة بالغذاء.
(1) من كتاب"منهج التربية الإسلامية".