وهذه المعلومات -المنبثة في ثنايا القرآن- يمكن أن تُسْتَوْحى في استخلاص نظرية شاملة عن النفس .. تعمل المشاهدة والتجربة في توضيحها ووضع تفصيلاتها، كما تعمل في توضيح بقية الإشارات الكونية في القرآن.
فالقرآن مثلا يقول"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ".
ولكنه لم يقل كيف يختلف النهار والليل، وكيف تجري الفلك في البحر، وكيف ينزل الماء من السماء، وكيف تحيا به الأرض، وكيف تصرّف الرياح ويسخر السحاب بين السماء والأرض .. وترك للمشاهدة والتجربة أن يتحققا من سر هذه الآيات، ويعرفا -بقدر ما ييسر الله لهما- حقيقة النواميس التي تعمل بها القدرة الإلهية في الكون.
وكذلك وجّه الإنسان إلى استجلاء أسرار النفس، وذكر صفاتها وحالاتها، ولكنه ترك للمشاهدة والتجربة أن يتحققا مما وراء ذلك من النظريات والتفصيلات.
لذلك كان المشاهدة والتجربة عمادًا لي في هذا البحث، أتفهم عن طريقهما إشارات القرآن.
ولست من أنصار وضع النفس الإنسانية في"المعمل"لاستخلاص حقيقتها ..
وقد أشرت في كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام"إلى رأيي في المدرسة التجريبية التي تستخلص معلوماتها عن طريق المعمل، وبينت أنها لا تحصل على أكثر من مزق متفرقة من النفس البشرية، لا تغني في الوصول إلى حقيقتها المتكاملة.
وعلم النفس التحليلي يدلي بدلوه في هذا المجال ولا شك .. ولكنها -وحده- لا يؤدي إلى الحقيقة الشاملة، لأنه بطبيعة منهجه الذي يفتت ويحلل، ويهبط من أعلى إلى أسفل، يفوته كثير من آفاق النفس العليا، ومن حركتها المتكاملة التي تتحرك بأجزائها جميعا وارتباطاتها جميعا ..
وربما كان علم النفس التكاملي أقرب إلى الصواب في هذا الباب ..
وفي دراستنا لنظرة الإسلام إلى النفس الإنسانية لن نمتنع من الاستفادة بكل ما نراه صالحا ومؤديا للحقيقة من مناهج البحث .. ولكن مرجعنا الأول والأخير هو القرآن.
وبالإضافة إلى ذلك نأخذ من مجالات المشاهدة في نطاق الواسع، ولا نتقيد بالدراسات النفسية"الرسمية".. فليس علم النفس وحده هو الذي يتحدث عن النفس، وليس حديثه هو أصدق حديث. وإنما الفن والأدب، والاجتماع والتاريخ .. والحياة الواقعية بأكملها .. هي الحديث الصادق عن النفس، لأنها تتحدث عنها في بيئتها الطبيعية .. بيئة"الحياة".. ولا تنشئ لها بيئة مصطنعة كحيوانات المعمل الموضوعة تحت الاختبار ..
وهدفنا من استخلاص نظرية شاملة عن النفس الإنسانية هو معرفة مكونات هذه النفس -بقدر ما تتيسر لنا المعرفة- لنعرف بعد ذلك كيف تكون في صحتها ومرضها، واستوائها وانحرافها .. ونفيد من هذه المعرفة في معالجة هذه النفس على أساس سليم.
وهذا هو الهدف الذي ينبغي أن يهدف إليه علم النفس في الحقيقة.
إن المعرفة هدف يُنشَد من أجل ذاته. و"الحقيقة ضالة المؤمن"كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكنها تؤدي دائما إلى غاية وراءها، فقد ركبت فطرة الإنسان بحيث يسعى دائما إلى الاستفادة مما يعرفه، فيزداد به نماء وقوة وارتقاء نحو الكمال.