الصفحة 2 من 169

ومضت سنوات أخرى ..

وكتبت كتابي في"منهج التربية الإسلامية".. واحتجت في وضع فكرة الكتاب إلى تخطيط صورة للنفس الإنسانية، إذ كان قد تبين لي أن منهج التربية الذي وضعه الله في كتابه، مطابق تمامًا للنفس التي خلقها منزّل الكتاب، وأن أبرز ما في المنهج هو هذا التطابق الكامل بينه وبين النفس، بحيث لا يترك منها صغيرة ولا كبيرة إلا اشتمل عليها وعمل لها حسابها. فكان طبيعيًا أن أوضح صورة النفس الإنسانية كما أراها، لأبين هذا التطابق بين المنهج المنزل والنفس التي تتلقاه.

وأحسست مرة أخرى وأنا أكتب الكتاب أن الخطوط العريضة للنفس الإنسانية ترتسم بين يدي في ثنايا السطور، وخاصة في فصل"خطوط متقابلة في النفس البشرية"الذي كان فكرة جديدة لم تخطر لي قبل هذا الكتاب ..

ومرة أخرى اشتاقت نفسي إلى استخلاص نظرية شاملة عن النفس الإنسانية!

وهذا الكتاب محاولة في هذا السبيل!

وهي مجرد محاولة .. أتحمل مسئوليتها وحدي!

فالإسلام ليس مقيدًا بما أقول .. وما أزعم أن هذه هي"النظرية الإسلامية".. وإنما أقول فقط إنها"نظرية"إسلامية .. اجتهدت فيها بمقدار ما فتح الله علي من طاقة المعرفة. وهو وحده الموفق إلى الصواب.

والقرآن ليس كتاب نظريات .. نفسية أو علمية أو فكرية .. ولكنه يحوي التوجيهات الكاملة الكافية لإنشاء هذه النظريات.

إنه كتاب تربية وتوجيه .. وفي سبيل هذا التوجيه يكشف للإنسان عن بعض أسرار نفسه وأسرار الكون من حوله، ويدعوه إلى دراسة هذه وتلك"ليعرف"و"يتعلم"ومن ثم يتجه الاتجاه الصحيح.

وأنا شديد النفور من الذين يقولون إن في القرآن نظريات طبيعية وكيميائية وطبية وفلكية وذرية وصاروخية .. ! ويروحون يجرون وراء كل كشف أو اختراع جديد، يحاولون أن يثبتوا أن القرآن قد أشار إليه أو تنبأ به.

إن القرآن غني عن كل هذا .. وهو آخذ مكانته في تربية البشرية وتوجيهها الوجهة الصحيحة بغير هذا التمحل كله .. ولا ينقص من قدره ذرة واحدة ألا يكون يكون فيه طب وطبيعة وكيمياء وفلك وذرة وصواريخ!

إنه كتاب تربية وتوجيه .. كتاي ينشئ النفوس على النهج المستقيم. وهو يؤدي مهمته هذه كاملة دون أن يتعرض لنظريات العلم المختلفة. وإنما كان ما ورد في ثناياه من"المعلومات"إشارات كونية للإنسان، ليفتح بصيرته على آيات الله في الكون، فيتصل بالخالق، ويحبه ويخشاه.

والذي يستحق الالتفات حقًا في هذا الباب -باب العلم- ليس هو المعلومات الواردة في القرآن على سبيل الإشارة إلى آيات الله، وإنما هو منهج التربية العقلية الذي يوجه العقل إلى استنباط أسرار الكون والاستفادة بها في كل منحى من مناحي الحياة. وهو المنهج الذي وعته الأمة المسلمة الأولى، فحولت اتجاه البشرية من التأمل النظري الفارغ الذي لا يؤدي إلى شيء، ووجهتها إلى المنهج التجريبي الذي نشأت عنه العلوم الحديثة، والذي استطاعت به أوربا -بعد أن قبسته من احتكاكها بالإسلام والمسلمين، وبعد أن استمدت ما استمدته من علوم المسلمين- أن تصل إلى فتح مغاليق العلم، واستخلاص الأسرار والطاقات.

ولكن الأمر في"النفس"قد يختلف بعض الشيء ..

ليس في القرآن"نظرية نفسية"مخططة مبوبة مبلورة ذات فصول وتفصيلات. فليس من شأن القرآن وهو ينشئ النفوس ويربيها أن يضع"نظريات"من هذا القبيل.

ولكن فيه مع ذلك"معلومات"عن النفس الإنسانية كثيرة وشاملة، أكثر مما فيه عن أي"علم"آخر.

وقد كان هذا طبيعيًا في كتاب مهمته الأولى هي التربية والتوجيه .. كتاب يخاطب"النفس"ويوجهها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت