الصفحة 54 من 194

وربما يسأل سائل - وكثير هم الذين يسألون - لماذا لا نأخذ التصور"الجاهز"الذي توصل إليه الغرب في دراساته ، والغرب قد تقدم عنا مراحل شاسعة في كل مجالات العلم وكل مجالات البحث ، وأصبحت لديه إجابات"معيارية"عن هذه الأسئلة جميعا تكفينا مئونة البحث ، وتوفر عليها الجهود ؟!

فنقول بادئ ذي بدء إن التصور الغربي للإنسان يشتمل على خللين أساسيين: الخلل الأول هو اعتبار أن الإنسان هو ذلك الحيوان الدارويني المتطور ، الذي قدمته نظرية دارون في القرن الماضي ، وما تزال تغذيه في كثير من مجالات الدراسة ، والدراسات الاجتماعية بصفة خاصة . والخلل الثاني هو دراسة الإنسان بمعزل عن خالقه الذي أنشأه وأخرجه إلى الوجود ، كأنما الإنسان هو الذي خلق نفسه ، أو وجد بغير موجد ! ومن ثم فهو المرجع وهو المعيار لكل ما يصدر عنه من أفعال وتصرفات !

وسنتكلم عن موطن الخلل في كل من هذين الأصلين الخطيرين اللذين يحكمان الدراسات الغربية في العلوم الاجتماعية ، بوعي منهم أو بغير وعي ، ويؤثران في النتائج النهائية التي يصلون إليها في هذه العلوم .

فبالنسبة للخلل الأول تقول الداروينية إن الإنسان لم يخلق إنسانا من أول لحظة ، إنما هو تطور عن كائن آخر هو القرد الشبيه بالإنسان ، المتطور بدوره عن أحد القردة العليا الأربع: الشمبانزي والغوريللا والأورانج أوتانج والجيبون ، وإنه مر في تطوره بمراحل عدة ، كان يقترب فيها في كل مرة من وضعه الحالي . فكان في مبدأ أمره يمشي على أربع ، وينتصب قائما أحيانا كما تفعل القردة العليا ، ثم زاد انتصاب قامته حين أخذ يأكل من ثمار الأشجار ، فأصبح رأسه من ثم يرتكز على الجذع أكثر مما يكون معلقا في الفضاء ، فأتيح لمخه أن يكبر ، فتكلم وتعلم ، ورويدا رويدا على مدى من الزمن لا يكاد يحصى أصبح هو"الإنسان"!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت