إن الموضوع الأساسي للعلوم الاجتماعية كلها هو"الإنسان". وبحسب تصورنا للإنسان يكون مسيرنا في هذه العلوم . فإذا كان تصورنا للإنسان أنه حيوان متطور ، وأن خالقه لا غاية له من خلقه ، فأين مكان"القيم"يا ترى في هذا الكيان الحيواني الذي برز إلى الوجود بغير هدف معين لدى الخالق الذي أوجده ؟ وما"المعايير"التي تحكم حياته ؟ وما المقاييس التي نرجع إليها لنحكم على أي إنجاز من إنجازاته ؟ وما الذي يوصف من أعماله بأنه خير ، وما الذي يوصف بأنه شر ؟ أم إنه لا خير ولا شر ، والكل في الميزان سواء ؟!
قضايا خطيرة في الحقيقة .. لا نلتفت إليها حين نتلقى علمنا في العلوم الاجتماعية من الغرب ، بينما هي مفرق طريق بيننا وبينهم: في التصور ، وفي طريقة التناول ، وفي النتائج المستخلصة ، حتى لو التقى فكرنا وفكرهم في بعض الجزئيات أو في كثير من الجزئيات ! فالجزئية وحدها لا تعطي التصور . إنما التصور المبدئي هو الذي يفسر الجزئية ويضعها في مكانها من الصورة الكلية المتكاملة .
ولقد تأثرنا - دون أن ننتبه لتأثرنا - بقولهم: إن هذه العلوم قد تخلصت من النظرة الذاتية أو المواقف الذاتية ، وأصبحت علوما موضوعية تجريبية قياسية ، يجب التسليم بنتائجها دون تردد ، كما نسلم بالنتائج التي نحصل عليها في الفيزياء أو الكيمياء أو علم وظائف الأعضاء !
ولا نريد أن نقول إن علم الفيزياء - منذ انساح الحاجز بين المادة والطاقة - قد دخل في متاهة عظيمة لم يخرج منها بعد .. ولا أن أسرار الذرة وأسرار النواة التي تتحكم في العمليات الكيميائية ليست كلها في حيز معلوماتنا ، وقد يكون المجهول منها أكثر من المعلوم .. ولا أن في الجسم البشري وفي وظائف أعضائه من الأسرار العجيبة ما يثير ذهول العلماء وهم يكشفون منه مجهولا بعد مجهول ..