الصفحة 30 من 194

إن الموضوع الأساسي للعلوم الاجتماعية كلها هو"الإنسان". وبحسب تصورنا للإنسان يكون مسيرنا في هذه العلوم . فإذا كان تصورنا للإنسان أنه حيوان متطور ، وأن خالقه لا غاية له من خلقه ، فأين مكان"القيم"يا ترى في هذا الكيان الحيواني الذي برز إلى الوجود بغير هدف معين لدى الخالق الذي أوجده ؟ وما"المعايير"التي تحكم حياته ؟ وما المقاييس التي نرجع إليها لنحكم على أي إنجاز من إنجازاته ؟ وما الذي يوصف من أعماله بأنه خير ، وما الذي يوصف بأنه شر ؟ أم إنه لا خير ولا شر ، والكل في الميزان سواء ؟!

قضايا خطيرة في الحقيقة .. لا نلتفت إليها حين نتلقى علمنا في العلوم الاجتماعية من الغرب ، بينما هي مفرق طريق بيننا وبينهم: في التصور ، وفي طريقة التناول ، وفي النتائج المستخلصة ، حتى لو التقى فكرنا وفكرهم في بعض الجزئيات أو في كثير من الجزئيات ! فالجزئية وحدها لا تعطي التصور . إنما التصور المبدئي هو الذي يفسر الجزئية ويضعها في مكانها من الصورة الكلية المتكاملة .

ولقد تأثرنا - دون أن ننتبه لتأثرنا - بقولهم: إن هذه العلوم قد تخلصت من النظرة الذاتية أو المواقف الذاتية ، وأصبحت علوما موضوعية تجريبية قياسية ، يجب التسليم بنتائجها دون تردد ، كما نسلم بالنتائج التي نحصل عليها في الفيزياء أو الكيمياء أو علم وظائف الأعضاء !

ولا نريد أن نقول إن علم الفيزياء - منذ انساح الحاجز بين المادة والطاقة - قد دخل في متاهة عظيمة لم يخرج منها بعد .. ولا أن أسرار الذرة وأسرار النواة التي تتحكم في العمليات الكيميائية ليست كلها في حيز معلوماتنا ، وقد يكون المجهول منها أكثر من المعلوم .. ولا أن في الجسم البشري وفي وظائف أعضائه من الأسرار العجيبة ما يثير ذهول العلماء وهم يكشفون منه مجهولا بعد مجهول ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت