وليس معنى ذلك أننا ندعو إلى العزلة عن العالم ! فأنا لم أدْعُ إلى العزلة قط ، ولم أمارس العزلة ، بل إني أجتهد بقدر وسعي أن أطلع على أفكار القوم وممارساتهم ، وأجد ذلك أمرا ضروريا لي ، بل أقول - أكثر من ذلك - إن اطلاعي على أفكار الفوم وممارساتهم هو الذي نبهني إلى كثير من مجالي العظمة في دين الله ، حين أعقد المقارنة بينها وبين ما يجري في الجاهلية المعاصرة ، تصديقا لقول الفاروق رضي الله عنه:"لا يعرف الإسلام ( أي لا يعرفه على حقيقته ) من لم يعرف الجاهلية !"فأنا أعدو إلى الاطلاع على ما عند الغرب ، ولكنّ هناك فرقا بين اطلاع المأخوذ ، الذي يتلقف كل شيء يجده هناك كأنه غنيمة عثر عليها ، وبين اطلاع المستبصر بنور الإسلام ، الذي يعرض عن الغث ، وينتقي الثمين .
أما الغربة فقد وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إزالتها ، فقال في الحديث الآنف الذكر ، بعد أن أخبر عن غربة الإسلام الثانية"فطوبى للغرباء ، يصلحون ما أفسد الناس من سنتي" (1) .
ولن تتأتى إزالة الغربة إلا بالدعوة ..
والدعوة كما أشرت في أكثر من كتاب هي بيان حقيقة الإسلام ، ثم التربية على مقتضيات الإسلام (2) . والتربية تشمل تثبيت العقيدة الصحيحة ، وتقويم السلوك بما يتناسب مع مقتضيات هذه العقيدة .
والثقافة الصحيحة هي جزء من التربية المطلوبة . فكما ندعو إلى تصحيح العقيدة وتقويم السلوك ، ندعو كذلك إلى تقويم الثقافة لتتمشى مع العقيدة الصحيحة والسلوك الصحيح .
(1) رواه الترمذي .
(2) انظر على سبيل المثال"واقعنا المعاصر".