نعم ! إن علم النفس الغربي ، وعلوم التربية الغربية لا تغفل هذا البحث إغفالا كاملا - فهو أمر بشري لا يمكن تجاهله ولا يمكن إغفاله مهما كابر المكابرون - ولكنهم يعطونه حيزا هامشيا ، على قدر ما يرون أهميته في حياتهم ، أو على قدر ما يرغبون أن يكون له من الأهمية في حياتهم ! أما الباحث المسلم فأمره مختلف ، فحياته قائمة على العقيدة ، وتاريخه هو تاريخ عقيدته ، ورفعته وهبوطه متعلق بعقيدته ، ومصيره في الدنيا والآخرة مرتبط بالعقيدة .. فالحيز الذي ينبغي أن تشغله من فكره ، ودراسته ، وتجاربه ، وعلومه ينبغي أن يكون بمقدار ما لها من الأهمية في ذلك كله .
ولا شك أن الجيل الأول رضوان الله عليهم هم أبرز النماذج التاريخية لأثر العقيدة في النفوس . فهم الذين نقلتهم العقيدة الصحيحة تلك النقلة الهائلة من الجاهلية إلى الإسلام .. من الضياع إلى الوجود .. من الهامشية إلى المركزية .. من الجهل إلى المعرفة .. من الشتات إلى التجمع .. من الظلمات إلى النور . وهم أصلح النماذج للدراسة في هذا الموضوع . ولكنهم ليسوا وحدهم في التاريخ حتى يقول قائل إنهم نموذج لا يقاس عليه .. إنما هم نموذج متكرر على مدى التاريخ - بدرجات مختلفة - وهم الذين يكتبون أروع صفحات التاريخ !
فالذين غيروا ميزان الحرب في حطين تحت قيادة صلاح الدين لم يكونوا من ذلك الجيل الأول . والذين غيروا ميزان الحرب في عين جالوت تحت صيحة"واإسلاماه"لم يكونوا من الجيل الأول . والذين هزموا الروس في أفغانستان وفي الشيشان لم يكونوامن الجيل الأول . والذين يحتملون ما لا يحتمل من ألوان التعذيب الوحشي في سجون الطغاة ويظلون مصرّين على عقيدتهم ليسوا من الجيل الأول .. إنما هي ظاهرة تتكرر كلما وجد مؤمنون في الأرض ، والدارس المسلم أولى الناس بأن يدخلها في دراساته النفسية ، رضي"أهل الفن !"أو أبوا ، واعترفوا أو لم يعترفوا بالنتائج التي تصل إليها الدراسة !