وابتداءً لا بد من إزالة هذا الوهم ، المتأثر بصورة"الدين"في الغرب ، والواقع الذي يعيشه الغرب بالنسبة للدين . فالدين هناك"علاقة بين العبد والرب ، محلها القلب ، ولا علاقة لها بواقع الحياة". علاقة تسكن في وجدان صاحبها ، وتؤثر في بعض سلوكياته الشخصية ، ولكنها لا تتدخل في حركة الحياة الواقعية ، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية ، التي يشترك فيها صاحب الدين مع المتخلي عن الدين مع المتمرد على الدين ، كلهم بطريقة واحدة ، وبنسب متساوية ! فيصبح الدين مزاجا شخصيا لا يؤثر في واقع الحياة العملي !
هذه هي الصورة"العلمانية"للدين ، وهي السائدة في حياة الغرب ، والذي يَسَّرَ من سريانها هناك المفهوم الكنسي ذاته للدين ، الذي قال"أد ما لقيصر لقيصر وما لله لله !"وهو الشعار الذي رفعته النصرانية في أيم استضعافها ، ولم تغيره حتى في أوج سلطانها ، الذي امتد في أوربا ثمانية قرون على الأقل ، من القرن الرابع الميلادي إلى القرن الثاني عشر ، فقد كان سلطان الكنيسة متمثلا في إخضاع كل الناس - حاكمين ومحكومين - لأهواء رجال الدين وليس للدين ! ليس للشريعة المنزلة على عيسى عليه السلام ! فلما قامت العلمانية في أوربا ، كان هدفها إقصاء نفوذ رجال الدين عن السياسة ( ثم عن الحياة العملية كلها ) وليس إقصاء"الدين"، الذي كان غائبا عن الهيمنة على السياسة ( وعلى الحياة العملية كلها ) منذ دخلت أوربا في مسيحية بولس ، وليس في دين عيسى عليه السلام (1) !
هذا المفهوم الكنسي للدين ، الذي يَسَّرَ للعلمانية في أوربا أن تفصله عن واقع الحياة ، ليس هو حقيقة الدين المنزلة من عند الله .. وليس هو الإسلام على أية حال !
الدين في الإسلام هو الحياة ! الحياة كلها بحذافيرها ، بكل جوانبها وكل مجالاتها !
(1) راجع فصل"أحوال أوربا"في أول الكتاب .