وقال علماء التفسير إن هذه الدوافع إذا استخدمت فيما أحل الله فالتزيين من عند الله . إما إذا استخدمت في معصية الله فالتزيين من الشيطان . فهي ليست فاسدة في ذاتها ، بل هي مغروسة في الفطرة لحكمة يريدها الله ، لتكون عونا للإنسان للقيام بدوره في الحياة الدنيا ، ما دامت ملتزمة بحدود الله . والرسول صلى الله عليه وسلم يؤكد ذلك حين يقول للذين تركوا متاع الأرض إعراضا عنه ، فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الثاني وأما أنا فأقوم الليل ولا أنام ، وقال الثالث: وأما أنا فلا أتزوج النساء . فقال عليه الصلاة:"ألا إني لأتقاكم لله ، ولكني أصوم وأفطر ، وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء . فمن رغب عن سنتي فليس مني" (1) .
ولكن الذين تلقوا الدفعة الروحانية الغالبة - التي أنزلت لعلاج مادية اليهود وقسوة قلوبهم - فجعلوها منهج حياة لهم ، فإنهم من جهة عطلوا دفعة الحياة ، ومن جهة أخرى لم يستطيعوا الاستقامة بها فلم يرعوها حق رعايتها:
( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ(2) فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (3) .
والفسق الذي تشير إليه الآية الكريمة يملأ مجلدات ضخمة من تاريخ الكنيسة سجلت وصول الحالة الخلقية في الأديرة إلى درجة من الإسفاف يتعفف عنها الشخص العادي ، سواء بين الرجال بعضهم وبعض ، أو بين النساء بعضهن وبعض ، أو في السراديب الخفية التي حفرت بين أديرة الرجال وأديرة النساء للاتصال المحرم بين الرهبان والراهبات !!
(1) أخرجه الشيخان .
(2) أي ما كتبنا عليهم إلا أن يبتغوا رضوان الله أو ما قبلناها منهم إلا لأنهم ابتغوا بها رضوان الله .
(3) سورة الحديد [ 27 ] .