إنما يحدث الضعف الذي يؤدي إلى الموت في الأمم حين يغير الناس ما بأنفسهم . فنستطيع أن نقول بصفة عامة إن الدول في نشأتها تكون محوطة بأعداء يلزمها التغلب عليهم لكي تتمكن في الأرض ، فيبعثها ذلك على شحذ همتها واستجماع قوتها حتى تصمد في الصراع بينها وبين جيرانها ثم تتمكن من إخضاعهم أو القضاء عليهم . ثم تمر بعد ذلك فترة يكون الناس فيها أقوياء ولكنهم متربصون يقظون لئلا يقوم الأعداء مرة أخرى فيهاجموهم ، وتلك هي أقوى الفترات التي تمر بالدولة وأنشطها في كل اتجاه . ثم يطمئن الناس إلى أن قوتهم أصبحت لا تغالب ولا تغلب ، فيبدأ الترف يدب في أوصالها ، نتيجة امتلاكها القوة والثروة وعدم وجود المنازع الذي يؤبه له ويحسب له حساب ! والترف هو الحمض الأكال الذي يأكل الأمم والشعوب ، لأنه مفسد متلف مفتّر باعث على القعود صارف عن بذل الجهد . وعندئذ يكون الهلاك بقدر من الله ، وبسنة من سنن الله !
( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) (1) .
ومهما يكن من الأمر ، فالنقطة التي نود أن يتناولها علم الاجتماع الإسلامي هي: أمة العقيدة .. هل ينطبق عليها سنة الفناء بالشيخوخة كما يقول ابن خلدون ، أي الهلاك بالترف كما تقول السنة الربانية المفسرة ؟
نريد أن نفرق بين"الدولة الإسلامية"و"الأمة الإسلامية".
لقد هلكت الدولة الأموية بالترف ، وهكلت من بعدها الدولة العباسية ودولة المسلمين بالأندلس ، والدولة العثمانية .. كلها هلكت بهذا الداء المهلك الذي جعله الله في سننه سببا لزوال الدول .
ولكن"الأمة الإسلامية"هل فنيت أو يكتب لها الفناء ؟!
(1) سورة الإسراء [ 16 ] .