الصفحة 33 من 40

وهناك حق آخر قد حث عليه الإسلام وأكده تأكيدًا وهو أنه من واجب الدولة أن تكفل الحاجات الإنسانية اللازمة لكل فرد من أفراد البلاد. ولأجل هذا الغرض قد فرضت الزكاة في الإسلام، وقال النبي صلى الله عليه وسلم"تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم" [1] وقال"من ترك كلا فإلينا" [2] وقال"أنا وارث من لا وارث له، أعقل له وأورثه" [3] .

والإسلام لا يفرق في هذا الباب بين سكان الدولة من المسلمين وأهل الذمة، وهو يضمن لكل رجل من أهل الذمة -كما يضمن لكل رجل من المسلمين- بأن الدولة لن تحرمه من المأكل والملبس والمسكن. فقد حدث عمير بن رافع عن أبي بكرة قال مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بباب قوم وعليه سائل يسأل شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي. قال فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال أسأل الجزية والحاجة والسن. قال فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم"."

وجاء في كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة:"جعلت لهم -أي لأهل الذمة- أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طُرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقام بدار الهجرة."

حقوق الدولة على الأهالي:

وأول ما يجب على الأهالي من حقوق للدولة، بإزاء ما بينا آنفًا من حقوقهم عليها، هو حق الطاعة، المصطلح عليه (بالسمع والطاعة) في الإسلام، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم في بابه:"السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره" [4] .

والحق الثاني للدولة على الأهالي أن يكونوا لها مخلصين أولياء. وقد تكر التعبير عن ذلك بكلمة"النصح"في الكتاب والسنة، وهي أوسع معنى من كلمتي ( Loyality) أو ( Allgiance) الانجليزيتين. فما تستلزمه هذه الكلمة أن يحب الفرد الدولة، ويرجو لها الخير والنصح من أعماق صدره، ويعمل على ترقيتها، ولا يتحمل شيئًا يصيبها بأدنى ضرر أو أذى.

بل الإسلام قد ألزم سكان الدولة أن يتعاونوا معها ولا يقعدوا عن بذل سعي أو تضحية بالنفوس والأموال في سبيلها، حتى إن القرآن ليحكم حكمًا صريحًا بالنفاق على من يقعد على سعته وقوته عن التضحية بنفسه وماله في الدفاع عن دار الإسلام إذا عرض لها خطر من الأخطار.

هذه هي معالم الدولة التي نسميها بالدولة الإسلامية، ولكم أن تسموا هذا الطراز من الدولة بما شئتم من مصطلحات هذا الزمان. سموها الدولة أو الجمهورية أو الثيقراطية، فإنا لا نصر على مصطلح بعينه، غير أن الذي نصر عليه بدون شك أننا إذا كنا ندعي الإسلام، فلا ينبغي أن يكون نظام حياتنا ونظام حكومتنا مبنيًا إلا على ما أرشد إليه الإسلام ووضعه من المبادئ والأسس.

(1) متفق عليه.

(2) متفق عليه.

(3) أبو داود: كتاب الفرائض.

(4) عن عبادة بن الصامت في الموطأ للإمام مالك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت