ومن خلال ما ذكرناهُ هُنا؛ كان حقًّا لازمًا على أهل العلم أن يجتهدُوا حثيثًا في التّحذير من خطر هذه الدّعوات الضّعيفة (المُوظّفة!) النّازلة بساحة المُسلمين هذه الأيّام؛ لا سيّما أنّ خرقها قد اتّسع، وشرّها قد استوضع؛ حيثُ ركض أكثرُ المُسلمين وراءها وُحدانًا وزرافاتٍ لا يلوُن على أحدٍ من أهل العلم النّاصحين! ومن هُنا انعقدت آصرةُ المُغالطات، وبلغت تُزاحمُ الحقائق المعلُومة ضرُورةً من الدّين شيئًا فشيئًا؛ حتّى غزت بعضًا من أهل العلم والدُّعاة (المشهُورين!) ، ومن ورائهم سمّاعُون، كما انصرف النّاسُ إليها كالعُنُق الواحد ... فيا للإسلام!
فمن لهؤلاء الهائمين في بيداء التّيه والغفلة؟! أليس كان حتمًا على أهل العلم أن يصيحُوا في وُجُوه أصحاب هذه الدّعوات الهزيلة الّتي: لم تنصُر حقًا ولم تكسر باطلًا؟!؛ ليُوقفُوا هذه البلايا والأذايا الّتي مرجت بأُمُور وقضايا المُسلمين؟ ألم يكُن هذا من نُصح الأمّة، وإبراء الذّمّة؟؛ بلى والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة!
فسُكُوتُ أهل العلم عن مثل هذه النّكسات العلميّة والعمليّة على حدٍّ سواءٍ الّتي لم يشهد التّاريخُ الإسلاميُّ لها مثيلًا؛ فأمرٌ لا تبرُكُ عليه الإبلُ؛ بل هذا بكلٌ من البكل!
أمّا كلامُنا مع أصحاب الطّرف الآخر: ممّن غابت عنهُم كثيرٌ من هذه الحقائق النّكدة، مع اعتذارهم: بحُسن الظّنّ بمن استضافُوهُم، وقدّمُوهُم للجماهير! فنقُولُ لهُم باختصارٍ:
1)إنّ ما ذكرناه من مُغالطاتٍ شرعيّةٍ عند أصحاب الدّعوات المُوظّفة، لهُو كافٍ في اتّخاذكُم موقفًا فاصلًا، لا يقبلُ التّردُّد إن شاء اللهُ، وما ذاك إلاّ لحُسن ظنّ الأمّة بكُم!
2)إنّ الأمّة الإسلاميّة (ولله الحمدُ) لم تنخدع بعدُ بأصحاب الدّعوات الضّعيفة؛ بل قد اتّخذت منهُم موقفًا مُخالفًا، لعلمها أنّها قد خذلت الأمّة أكثر من كونها نصرتها، فعند ذلك لا تفرحُوا باستضافة أصحاب هذه الدّعوات العائمة فوق براكين مُتضاربةٍ، ولا يهُولنّكُم ما هُم فيه من ظُهُورٍ وقُصُورٍ! فالظُّهُورُ هُو ما كتبهُ اللهُ في القُلُوب، والقُصُورُ ما بنته لكُمُ الأمّةُ في قُلُوبها، فاحذرُوا إذن!
3)إنّ الأمّةّ الإسلاميّة لم تزل تُحسنُ الظّنّ بكُم، فالله الله أن تخذُلُوا حُسن ظنّهم فيكُم، فليس أحدُكُم أخسرُ من الآخر!
ومن قبلُ؛ فما أحسن ما جاد به قلمُ سيّد قُطبٍ رحمهُ اللهُ حين وصف لنا أصحاب هذه الدّعوات (التّجميعيّة!) عند تفسيره لقوله تعالى:"وإن كادوا ليفتنوك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره ..."الآية، حيثُ قال:"يُعدّدُ السّياقُ مُحاولات المُشركين مع الرّسُول صلّى اللهُ عليه وسلّم، وأوّلُها مُحاولةُ فتنه عمّا أوحى اللهُ إليه، ليفتري عليه غيره، وهُو الصّادقُ الأمينُ."
لقد حاولُوا هذه المُحاولة في صُورٍ شتًّى ... هذه المُحاولاتُ الّتي عصم اللهُ منها رسُوله، هي مُحاولاتُ أصحاب السُّلطان مع أصحاب الدّعوات دائمًا، مُحاولة إغرائهم حتّى ينحرفُوا - ولو قليلًا - عن استقامة الدّعوة وصلابتها، ويرضوا بالحُلُول الوسط الّتي يغرُونهُم بها في مُقابل مغانم كثيرةٍ، ومن حملة الدّعوات من يُفتتن بهذا عن دعوته؛ لأنّه يرى الأمر هيّنًا، فأصحابُ السُّلطان لا يطلُبُون إليه أن يترُك دعوته كُليّةً، إنّما هُم يطلُبُون تعديلاتٍ طفيفةً ليلتقي الطّرفان في مُنتصف الطّريق، وقد يدخُلُ الشّيطانُ على حامل الدّعوة من هذه الثّغرة، فيتصوّر أنّ خير الدّعوة في كسب أصحاب السُّلطان إليها؛ ولو بالتّنازُل عن جانبٍ منها!