ولكنّ الانحراف الطّفيف في أوّل الطّريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطّريق، وصاحبُ الدّعوة الّذي يقبلُ التّسليم في جُزءٍ منها ولو يسيرٍ، وفي إغفال طرفٍ منها ولو ضئيلٍ، لا يملكُ أن يقف عند ما سلّم به أوّل مرّةٍ؛ لأنّ استعداده للتّسليم يتزايدُ كُلّما رجع خُطوةً إلى الوراء!
والمسألةُ مسألة إيمانٍ بالدّعوة كُلّها، فالّذي ينزلُ عن جُزءٍ منها ولو صغُر، والّذي يسكُتُ عن طرفٍ منها مهما ضئُل، لا يُمكنُ أن يكُون مؤمنًا بدعوته حقّ الإيمان ... وأصحابُ الشّيطان يستدرجُون أصحاب الدّعوات فإذا سلّمُوا بالجُزء فقدُوا هيبتهم وحصانتهُم، وعرف المُتسلّطُون أنّ استمرار المُساومة، وارتفاع السّعر ينتهيان إلى تسليم الصّفقة كُلّها!
والتّسليمُ في جانبٍ ولو ضئيلٍ من جوانب الدّعوة لكسب أصحاب السُّلطان إلى صفّها، هُو هزيمةٌ رُوحيّةٌ للاعتماد على أصحاب السّلطان في نُصرة الدّعوة. واللهُ وحده هُو الّذي يُعتمدُ عليه المُؤمنُون في دعوتهم. ومتى دبّت الهزيمةُ في أعماق السّريرة؛ فلن تنقلب الهزيمةُ نصرًا!" [19] ."
وأخيرًا؛ فإنّ النّكسات التّاريخيّة الّتي تمُرُّ بها الأمّةُ الإسلاميّةُ هذه الأيّام كثيرةٌ جدًّا، فهي لا تزالُ بعدُ تطلُّ برأسها بين الحين والآخر، حيثُ أخذ بعضُها برقاب بعضٍ في سلسلةٍ نكدةٍ من النّكسات العلميّة والعمليّة التّائهة في بيداء سحيقةٍ، ومهاوي غائرةٍ، فأنّى لها التّناوُشُ من مكانٍ بعيدٍ؟! فعينُ الله تنظرُ، وأقلامُ الغُيُر من أهل العلم ترصُدُ، والتّاريخُ شاهدٌ لا يملُّ ولا يفترُ، لذا اكتفيتُ بما أجراهُ القلمُ هُنا، وبما جادت بها الذّاكرةُ من قريبٍ.
والحمدُ لله ربّ العالمين
والصّلاةُ والسّلامُ على عبده ورسُوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين
وكتبُه؛ ذيابُ بنُ سعدٍ آل حمدان الغامدي
15/ 2/1424هـ