الصفحة 67 من 291

ومن هنا كانت أخلاق المجتمع الزراعي ومشاعره ومفاهيمه ومبادئه وسلوكه العملي .. كلها نابعة من حقيقة الأرض ، ومرتدة إليها .. فالأرض - بمفهومها الزراعي - هي التي تشكل حياة الإنسان .

ثم انتقل الناس إلى الطور الصناعي .. فتبدلت الأحوال ..

عملية الإنتاج لم تعد"غيبية". فهي عملية منظورة . الآلة المنتِجة منظورة ، والمادة المنتَجة منظورة كذلك . و"الإنسان"هو الذي يديرها وليس"الله" [ !! ] ومن ثم فلا ضرورة شعورية لعبادة الله !

والمرأة قد استقلت اقتصاديًا بحكم سلسلة من الظروف الاقتصادية المتوالية .. فلم يعد الرجل هو الذي يعولها . ومن ثم لم يعد الرجل هو المسيطر . أو على الأقل لم تعد سيطرته مطلقة . فلم يعد في وسعه - تدريجيًا - أن يفرض العفة على المرأة . أي يفرض عليها أن تكون له وحده . فصار من حقها - تدريجيًا - ألا تكون عفيفة . لأنها تستطيع حين يرفضها الرجل - إذا رفضها ! - لعدم عفتها ، أن تعول نفسها بنفسها .. ولأنها استقلت اقتصاديًا اضطر الرجل أن يحترمها ، وينزل لها عن سلطانه ، ويعطيها حق الإباحية الجنسية .. ثم انتهى الأمر أن يحبذ هو تلك الإباحية بحكم"التطور"..

وعاش الناس في المدينة - لا في القرية - بأعداد متزايدة ، ومن أصول غير متعارفة . فلم يعد التعارف شرطًا للحياة الإنسانية . وصار الخلق الجديد للمدينة - الخلق المتطور - أن يعيش كل إنسان حياته الخاصة في عزلة عن الآخرين .. عزلة شعورية وواقعية ..

وبطل التعاون الفردي ، لأن عملية الإنتاج صارت متخصصة ، كل عامل يدق مسمارا أو يخط خطا أو يدفع شريطًا معدنيًا أمامه .. إلخ . بلا تعاون ملموس بين واحد وواحد في المصنع الكبير .. فصار"عدم التعاون الفردي"هو الخلق الجديد المتطور ..

وهكذا استمد المجتمع الصناعي أخلاقه ومشاعره ومفاهيمه ومبادئه وسلوكه العملي من الآلة ، والإنتاج المادي .. فصارت الآلة هي التي تشكل حياة الإنسان ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت