الصفحة 55 من 291

"ثم جعلت الشهوات النفسية تتغلب على أهل اليونان ويجرف بهم تيار الغرائز البهيمية والأهواء الجامحة ، فتبوأت العاهرات والمومسات مكانة عالية في المجتمع لا نظير لها في تاريخ البشرية كله ، وأصبحت بيوت العاهرات مركزا يؤمه سائر طبقات المجتمع ، ومرجعًا يلجأ إليه الأدباء والشعراء والفلاسفة . فكانت شموسا في سماء العلم والأدب يدور حولها كواكب الفلسفة والأدب والشعر والتاريخ وما عداها من الفنون . بل أصبحن القطب الذي تدور حوله رحى الأمة اليونانية . فما كنّ يرأسن أندية العلم ومجالس الأدب فحسب ، بل كانت المشاكل السياسية أيضًا تحل عقدها وتفك معضلاتها بحضرتهن وتحت إشرافهن . وقد بلغ بهم التعسف في هذا الشأن أن كانوا يرجعون في المسائل الرئيسية التي تعلو بها أمة وتسفل ، وتحيا لها وتموت ، إلى المرأة التي ربما لا ترضى أن تعاشر رجلا بعينه أكثر من ليلة أو ليلتين . ثم زاد أهلَ اليونان حبهم للجمال وتذوقهم المفرط تماديا في الغي وارتطاما في حمأة الرذائل ، وأضرم في قلوبهم نارًا للشهوات لا تخمد . فالتماثيل - نماذج الفن العارية - التي كانوا يُظهرون بها وبالافتنان في صنعها وإتقانها ذوقهم هذا ، كانت هي التي تحرك فيهم الشهوات دوما وتمد في غرائزهم البهيمية . ولا يخطر لهم ببال أن الاستسلام للشهوات شيء ذميم في قانون الأخلاق ، والاندفاع وراء تيار الأهواء عار وهجنة . وتبدلت مقاييس الأخلاق عندهم إلى حد جعل كبار فلاسفتهم وعلماء الأخلاق عندهم لا يرون في الزنا وارتكاب الفحشاء غضاضة يلام عليها المرء ويعاب . وأصبح عامتهم ينظرون إلى عقد الزواج نظر من لا يهتم به ، ولا يرى إليه من حاجة . وقلما يرون بأسا بأن يعاشر الرجل المرأة ويخادنها علنا من غير عقد ولا نكاح ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت