"فمن هذا القبيل أن الناس يفسرون عادة نشأة النظام الأسري بوجود العواطف التي يكنها الآباء للأبناء ، ويشعر بها الأبناء تجاه الآباء ؛ كما يفسرون نشأة الزواج بالمزايا التي يحققها لكل من الزوجين وفروعهما ، والألم بما يحدث من غضب الفرد إذا أصيبت مصالحه بضرر جسيم . وترجع الحياة الاقتصادية في نهاية الأمر - كما يفهمها ويفسرها الاقتصاديون ، وبخاصة أصحاب المذهب المحافظ - إلى هذا العامل الفردي البحت ، وهو الرغبة في تحصيل الثروة . وليس الأمر على خلاف ذلك فيما يتعلق بالظواهر الخلقية . فإن الأخلاقيين يتخذون واحبات المرء نحو نفسه أساسًا للأخلاق . وكذا الأمر فيما يتعلق بالدين ، فإن الناس يرون أنه وليد الخواطر التي تثيرها القوى الطبيعية الكبرى أو بعض الشخصيات الفذة لدى الإنسان .. الخ . ولكن ليس من الممكن تطبيق هذه الطريقة على الظواهر الاجتماعية اللهم إلا إذا أردنا تشويه طبيعتها !"
"ومن هذا القبيل أن بعض هؤلاء العلماء يقول بوجود عاطفة دينية فطرية لدى الإنسان ، وبأن هذا الأخير مزود بحد أدنى من الغيرة الجنسية والبر بالوالدين ومحبة الأبناء ، وغير ذلك من العواطف ، وقد أراد بعضهم تفسير نشأة كل من الدين والزواج والأسرة على هذا النحو . ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطرية في الإنسان"
"وحينئذ فإنه يمكن القول بناء على الرأي السالف بأنه لا وجود لتفاصيل القواعد القانونية والخلقية في ذاتها ، إذا صح هذا التعبير ... ومن ثم فليس من الممكن ، تبعًا لهذا الرأي ، أن تصبح مجموعة القواعد الخلقية التي لا وجود لها في ذاتها موضوعا لعلم الأخلاق ..." (1)
واضح ؟!
إن الدين ليس شيئًا فطريا . وكذلك الزواج والأسرة . والقواعد الخلقية لا وجود لها في ذاتها !
(1) ص 59 - 60 .