ولكنا نقول في إيجاز شديد إن الحروب الصليبية هي التي وجهت أوربا إلى إنشاء نظام"الأمة"بعد أن كانت إقطاعيات يحكم كلا منها إقطاعي تتمثل في شخصه السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية ، ويستعبد الناس في الأرض .. وقد وجد الصليبيون في العالم الإسلامي"أمة"تحكمها حكومة مركزية موحدة ويسري فيها قانون واحد يطبق على الجميع بالسوية .. فنقلوا هذا النظام إلى بلادهم فصارت أمما ودولا بعد أن كانت إقطاعيات . وتحطم النظام الإقطاعي وتحرر عبيد الأرض ليصيروا أحرارًا كالمسلمين .
والحروب الصليبية وما تلاها من الاحتكاك بالفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية هي التي أدت إلى الثورة الدينية على الكنيسة ، التي قام بها مارتن لوثر وكالفن في أوربا .
وهي كذلك التي أدت إلى الحركات التحريرية الكبرى ومن بينها الماجنا كارتا وإعلان حقوق الإنسان .
وكانت - إلى جانب ذلك - ذات أثر كبير في الأخلاق الأوربية . فقد أخذ الصليبيون - المنهزمون - عن المسلمين - الظافرين - كثيرًا من أخلاقهم الشخصية من صدق وأمانة وإخلاص وتماسك وترابط وتحاب ومودة وتعفف عن الدنايا .. وقد كانوا - في أثناء إقامتهم مع المسلمين في الشام - يرون كيف كان التاجر المسلم إذا جاء وقت الصلاة يترك متجره - مفتوحًا - ويذهب إلى المسجد يؤدي فريضته ثم يعود فلا يسرقها سارق ! ويرون كيف يحترم الصغير الكبير ، وكيف يتفشى"السلام"بين الناس سواء بالتحية بالفم أو في واقع المجتمع .. كما كانوا يرون دقة أصحاب الصنايع وإتقانهم أعمالهم والإخلاص فيها ، وكيف كانت"ذمة"التاجر المسلم رأس ماله الأول ، يعد ويفي ويضبط الميعاد !
بهذه الأمور كلها تأثرت الحياة الأوربية إلى جانب الحركة العلمية الكبرى التي نشأت من انتقال المذهب التجريبي من مدارس الأندلس ومدارس الشرق إلى الغرب الأوربي ...
وخلاصة هذا الأمر أن الأخلاق الأوربية ذات أصل ديني مسيحي وإسلامي على السواء !