... ولقد وقعت الفجوة بين الدين والحياة في أوربا .. للأسباب التي ذكرناها .
وكانت جفوة تدريجية بطيئة استغرقت بضعة قرون حتى وصلت ذروتها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين .
وفي أثناء هذه الجفوة تنكر الناس للدين ، وفصلوه عن كل القيم النافعة في الحياة !
فصلوه عن العلم .. فنشأت حركة إحياء العلوم على أساس لا ديني .. بل على أسس مناهضة للدين .
وفصلوه عن المجتمع .. فجاء النمو الاجتماعي الحديث على أساس لا ديني ( secular ) إن لم يكن على أسس معادية للدين .
وفصلوه عن الأخلاق !
قالوا: إن الأخلاق جميلة نعم .. ولكن ليس من الضروري أن نأخذها من تعاليم الدين فلنجعلها قائمة بذاتها ، تستمد من"الواقع"أو من"العقل"أو من"الضمير الاجتماعي". أو من أي معين إلا الدين ! [ ولا يدخل في هذا الشأن الأخلاق الجنسية .. فهذه قضوا عليها نهائيًا بتوجيه الشياطين ! ]
وهكذا بقيت لأوربا أخلاق .. لكن بغير عنوان الدين !
وقد كانت الجفوة من الشدة والعنف بحيث لم تفصل فقط بين الدين والأخلاق .. بل قد نفّرت الناس تنفيرًا من أن يربطوا أي ربط بين الدين والأخلاق .. بل إلى إنكار وجود رابط بينهما على الإطلاق .. بل إلى الإصرار على رفض الأخلاق إن كانت تلبس ثوب الدين ، وعدم قبولها إلا أن كانت مفصولة عن الدين واقفة له بالمرصاد !
نعم ، يجب أن تكون لنا أخلاق .. ولكن حذار حذار من ربطها بالدين . وإلا تركناها لكم بأجمعها وصرنا لا أخلاقيين ! كما أصبحنا من قبل لا دينيين !
وزيادة في التحذير والتنفير تنشأ"مذاهب"كالوجودية تناقش"الأخلاق"من حيث المبدأ ، وتقول: لا أخلاق ! فما أراه"أنا"خيرًا فهو خير .. وما أراه شرًا فهو شر !
ولكن هذه مرحلة في"التطور"!