ولكنها دون شك لم تكن كذلك قبل قرون ..
يومئذ كانت العقيدة في النفوس أرسخ ، وتوجيهها للحياة أشد ..
وربما لم تكن أوربا في يوم من الأيام مسيحية بكل معنى الكلمة . فقد ظلت في أعماق الضمير الأوربي - تحت القشرة المسيحية - رواسب عميقة من آثار الفكر اليوناني والحضارة الرومانية الوثنيين ، يوجهان جوانب من الحياة الأوربية بوعي أو بغير وعي .. ولكن هذا لا ينفي أن العقيدة المسيحية كانت هي الغالبة في القرون الوسطى .
ثم ضاق الناس بكنيستهم لأسباب عدة:
كانت الكنيسة قوة طاغية غاشمة تفرض على الناس الإتاوات والعشور وترهقهم من أمرهم عسرًا .
وكانت تفرض عليهم الخضوع المذل لرجال الدين .
وتفرض عليهم أفكارًا"علمية"مزيفة ، باسم أنها كلمة السماء . فإذا أثبت العلم التجريبي والنظري كذبها راحت الكنيسة تحرق العلماء وتعذبهم كما فعلت بكوبرنيكوس وجاليليو وجوردانو برونو لأنهم لم يوافقوا على نظريتها في شكل الأرض ومركزها من الكون .
إلى جانب ذلك مهزلة صكوك الغفران التي تحول الدين إلى سخرية لاهية ضخمة ، وتنزع عنه كثيرًا من جديته وقداسته .. وكذلك الفسد الخلقي الذريع الذي كان يمارسه"رجال الدين !"متسترين وراء مسوح الرهبان ، مما يعف عنه الفرد العادي غير المتمسك بأهداب الدين !
كل ذلك أحدث انفصامًا بين الدين وحياة الناس .. وعزل الدين من الواقع الحي إلى داخل الوجدان .
ثم حدث حادث ضخم في الحياة الأوربية ترتبت عليه آثار في غاية الخطورة . وهو الحروب الصليبية .
ففي تلك الحروب التي انهزم فيها الأوربيون - المسيحيون - في كل حرب تقريبا ، وفي النهاية الحاسمة كذلك - تيقظ أولئك الغربيون إلى أمر حاسم: لا بد أن يكون في حياتهم أخطاء واختلالات أدت بهم إلى الهزيمة المنكرة ، ولا بد أن يكون في حياة المسلمين من أسباب السلامة والقوة ما مكنهم من الانتصار .
ومن هذه اليقظة تولدت"النهضة"الأوربية .. في كل مجال .