وفي الاجتماع .. تكفي المفاسد الاجتماعية والخلقية التي يعانيها المجتمع الغربي ، والتي ردته مجتمعا حيوانيًا هابطا لا يفيق من متعة الجسد ولا يشبع . ولا يتعاطف بنوه كما يتعاطف بنو الإنسان . وإنما يعيش الغرب في فردية بغيضة كريهة . فردية انفصالية لا تجمع شتات أمه"تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى" (1) . ويعيش الشرق الشيوعي في جماعية آلية لا تعرف طعم المودة الإنسانية الحقيقية ، وإنما تحكمها الدولة بالإكراه ، في المزارع الجماعية والمصانع الجماعية التي يسيطر عليها الإرهاب .
وفي السياسة .. تكفي المظالم التي تملأ وجه الأرض اليوم .. من استعمار واستغلال واستعباد . ومن دكتاتوريات بشعة تستخدم الحديد والنار والتجسس ، وأبشع أنواع التعذيب التي يتصورها العقل ، لتحتفظ بسلطانها الجبري على الجماهير .. تكفي هذه المظالم ، فهي ليست في حاجة إلى بيان .
أما الإسلام - في هذه الأمور كلها - فهو"المحجة البيضاء"كما عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم . المحجة التي تفرق النور عن الظلمة ، والصلاح عن الفساد .
المرونة الكاملة التي تسمح بالنمو . والصلابة الكاملة التي تمنع الانحراف .
وهو يستمد مزيته الكبرى في هذا الشأن من مطابقته التامة للفطرة الثابتة الجوهر ، المتغيرة الأشكال .
ذلك موقف الإسلام من الثابت والمتطور في حياة الإنسان .. موقف لا يصدر إلا عن تدبير إله !
فكل النظم التي صدرت عن تدبير البشر انحرفت ذات اليمين وذات الشمال . ولم تهتد إلى الصواب .. لأنها لم تهتد إلى"الفطرة"...
جهلتها - كما قال ألكسس كاريل - جهلا مطبقا ، ثم راحت - بهذا الجهل - تشرع للإنسان !
والإسلام - كلمة الله إلى البشر - يقف موقفا فريدًا في كل مفاهيم البشرية وتصوراتها ، وتطبيقاتها العملية لهذه المفاهيم والتصورات .
إنه يشمل جوانب الفطرة جميعها فلا يركز على جانب ويهمل بقية الجوانب .
(1) سورة الحشر [ 14 ] .