يخضع إحياء أمة من الأمم أو حماية مجتمع ما لسنن ربانية جارية تنطبق على الأمة الإسلامية كما تنطبق على غيرها من الأمم، وكل من يريد بناء مجتمع وإحياء أمة إذا لم يَسر وفق هذه السنن ولم يفقه عوامل الهدم والبناء فلن يتمكن من إحياء هذه الأمة أو بناء ذلك المجتمع، وسيخر صريع السنن الربانية الجارية التي لا تحابي أحدًا!
ومن سنن الله أن البشر يتحملون مسؤوليتهم في الرّقيّ والانحطاط ... فالتغيير يبدأ من النفس سواء بالارتقاء والارتفاع إلى أعلى أو بالانتكاس والهبوط إلى أسفل، وقد طرح القرآن الحد الإيجابيّ لهذا التغيير بقول الله عز وجل: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ، وطرح حدّه السلبي بقوله سبحانه: {ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} .
إن بداية الخروج مما نحن فيه، هو أن نخرج من نطاق التعميمات والشعارات والاقتصار على التوجه صوب الآخر، والإلقاء بالتبعة عليه، لنضع أيدينا على الأسباب الحقيقية التي هيأت الأمة للإصابة، فإذا فعلنا ذلك كانت هذه هي الخطوة الأولى والحاسمة التي توقفنا على الأرض التي تسمح برؤية الأشياء على حقيقتها، ومواجهة مشاكل الواقع من خلال سُنة الله الربانية في تغيير النفس والمجتمع، والتي تقرر أن التغيير إلى الأفضل أو الأسوأ لا يحدث إلا إذا سبقه تغيير جماعي يقوم به القوم لما بالأنفس من أفكار ومفاهيم واتجاهات فيغير الله ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم وأعمالهم ... وتنفذ فيهم سنته بناء على تعرضهم لهذه السنة بسلوكهم.
إن التغيير ليس هدية تُعْطى، ولا غنيمة تُغْتصب، وإنما هو نتيجة حتمية للقيام بتغيير ما بالأنفس، فهما متلازمان ... ولا يتغّير واقع الأمة إلا إذا تغّير ما بأنفس أفرادها ...
تغييرًا يمتد إلى كافة المساحات وسائر المكونات النفسية الأساسية: العقلية والروحية والجسدية، وكل العلاقات والبنى الداخلية مع الذات ومع الآخرين، والتي تمكن الجماعة المسلمة من مواجهة حركة التاريخ، فإذا أردنا تغيير واقعنا الذي نشكو منه، وإذا أردنا إحياء الأمة الإسلامية فإن السبيل إلى ذلك هو تصفية أفكارنا وإطارنا الخلقي مما فيه من عوامل قتّالة، ورمم لا فائدة منها حتى يصفو جو الأمة للعوامل الحيّة والداعية للحياة، والتي بها يتم إحياء الأمة.
إن تغيير ما بأنفس الأفراد هو الشرط الجوهري لكل تغيير للمجتمع والأمة، ولن يكون هناك سحر يمحو ضعف أمتنا وتخلفها في لحظات ويبدلهما تقدمًا وقوة ... إنما هناك سنن ربانية تقوم عليها حياة الناس في الأرض ... وليس من السنن الربانية أن نفسد ديننا ثم نقول: يا رب. يا رب.
إنما لا بد من تغيير ما بالأنفس من أفكار ومفاهيم واتجاهات، ولن تنجو أمتنا من التبعية والاستضعاف والفرقة، إلا إذا نجت نفوس أفرادها من أن تتسع للتبعية، وتخلصت من تلك الروح التي تؤهلها للاستضعاف ...
ولكي لا نكون مستعبدين ومستضعفين، يجب أن نتخلص من القابلية للاستعباد والاستضعاف ... وهذا هو المنهج الصحيح للتغيير، والذي أضاءته بنورها الآية الكريمة: {إن الله لا يُغّير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [1] .
[1] لمزيد من الاطلاع - راجع إن شئت:
حتى يغيروا ما بأنفسهم، جودت سعيد، دار الفكر.
مفاهيم ينبغي أن تصحح، محمد قطب، دار الشروق.
مقومات التصور الإسلامي، سيد قطب، دار الشروق.
في ظلال القرآن، ج4، سيد قطب، دار الشروق.