الصفحة 5 من 39

تنطلق أية أمة من الأمم في دربها الحضاري من مجموعة الأفكار التي على أساسها تشيد الأمة صرح حضارتها، ويقدم الواقع شواهد عديدة على أن سلوك الأفراد في مجتمع من المجتمعات ما هو إلا الترجمة العملية لم يؤمنون به من أفكار، ولهذا نجد أن المجتمعات تتقدم أو تتخلف تبعًا لنوعية الأفكار التي يعتنقها أفرادها ...

فصحة المجتمعات أو مرضها أساسهما صحة الفكر أو مرضه، والمجتمعات التي تدور في فلك الأفكار الصحيحة، تتفوق على تلك التي تدور في فلك الأفكار الخاطئة، كما كانت حال الأمة المسلمة الأولى في صدر الإسلام وتفوقها على مجمتعات الرومان والفرس وغيرها.

ولأن الأفكار بهذا القدر من الأهمية، فإنه ومنذ أن تقرر في أوكار الصهيونية تدمير الخلافة الإسلامية، وأعداء الأمة الإسلامية يحرصون على تخريب الفكر الإسلامي وتشويه العقل المسلم من ناحية، ومن ناحية أخرى يقومون برصد الأفكار الفعالة التي تحاول إحياء الأمة، لكي يقضوا عليها في مهدها أو يحتووها قبل أن تصل إلى جماهير الأمة فتصحح وجهتها أو تُعدّل انحرافات أفرادها، ولتبقى الجماهير إذا اجتمعت تجتمع على أساس العاطفة وتحت سلطانها، وليس على أساس الفكرة ... والمبدأ ...

ومن هنا كانت مخططات أعداء الإسلام لاحتواء وتدمير الأمة الإسلامية تهدف دائمًا إلى هزيمة الأمة فكريًا، لأن هزيمة الأمة في أفكارها تجرّدها من الحصانة وتتركها فريسة لأي مرض أو وباء فيسهل بعد ذلك احتواؤها وتفكيك معتقداتها.

لقد قامت الأمة الإسلامية الأولى على الفكرة والعقيدة، فكانت أرحب في آفاقها من الدم والأرض والإقليم ... وكانت فكرتها التي قامت عليها ما قاله ربعّي بن عامر حين دخل على رستم قائد الفرس في مجلسه فسأله: ما الذي جاء بكم؟ فقال: (الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ... ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ... ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام) ...

وهذه هي الفكرة والرسالة التي تحملها أمتنا ... أمة الفكرة.

إن إحياء الأمة وبناء المجتمع، بل وهيبة تلك الأمة وهذا المجتمع إنما تقوم على الأفكار ... والصراع في الواقع إنما يكون بين فكرتين، فكرة حية تصنع الرجال وتُحّي الأمة، وفكرة ميتة لا تصنع أولئك الرجال، ولا تحي الأمة، فهناك أفكار تدفع أفراد الأمة إلى التحرك نحو تغيير الواقع الفاسد مهما كلفهم ذلك من تضحيات، وأخرى تجعلهم يرتكسون في أوحال الذل، ومستنقعات الاستعباد ...

ولذلك فإن الطريق إلى التغيير المنشود، وإحياء الأمة الإسلامية لا بد من رفض الأفكار السلبية الخاطئة في مجال العقائد والسلوك والعلاقات الاجتماعية، وقبول الأفكار الصحيحة التي تكون الأساس الذي يقوم عليه التغيير [2] .

[2] لمزيد من الاطلاع - راجع إن شئت:

هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس، ماجد عرسان الكيلاني، الدار السعودية للنشر والتوزيع.

نظرات في مسيرة العمل الإسلامي، عمر عبيد حسنة، كتاب الأمة.

المسلمون وظاهرة الهزيمة النفسية، عبد الله الشبانة، دار طيبة، الرياض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت