إن المسلم الذي يرى الحياة من خلال واقعه، وليس من خلال أمانيه، لا بد أن يرى واقع الأمة الإسلامية اليوم هو مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تدعى الأكلة إلى قصعتها"، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن"، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال:(حب الدنيا وكراهية الموت) .
فقد أصبحت الأمة الإسلامية غثاء من النفايات البشرية الخاوية، تعيش على ضفاف مجرى الحياة الإنسانية كدويلات متناثرة ومتصارعة تفصل بينها حدود جغرافية ونعرات قومية مصطنعة، وتعلوها راية الوطنية، وتحكمها قوانين الغرب العلمانية ... تدور بها الدوّامات السياسية فلا تملك نفسها عن الدوران ولا تختار حتى المكان الذي تدور فيه!
لقد قذف الله تعالى في قلوب المسلمين الوهن فأصبحت أمتهم تخاف من تكاليف الحرية ومجابهة الظلم في الداخل، وتجبن عن صد الغزاة في الخارج ... فتداعت عليها الأمم، وأحاط بها الأعداء الذين أوصلوها إلى مرحلة القصعة المستباحة التي أنذرها إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا ... بعد أن كانت الأمة الإسلامية - يومًا من الأيام - تحتل مكانها في قيادة البشرية، صارت تزحف وراء غبار الركب البشري في تبعية ذليلة تضيع معها الذاتية ويتحول أصحابها إلى خدمٍ للآخرين!
ولا ريب أن هذا الحال تُؤرق أكثر المسلمين وتقض مضاجعهم، فتقفز إلى أذهانهم أسئلة كثيرة: كيف نخرج بأمتنا من أزمتها، وننتقل بها من الاستضعاف إلى التمكين؟ ومن التبعية إلى الريادة؟
كيف نرفع غثاء الأمة الإسلامية من حضيضه الذي يعيش فيه ليعود كما أرداه الله: {كنتم خير أمة أُخْرِجت للناس} ؟
ولكي نكون قادرين على تحديد الجواب الكافي لكل هذه الأسئلة، لا بد أن نؤمن أن واقعنا الذي نعيشه اليوم لا يخرج عن أن يكون نتيجة طبيعية للمقدمات التي صغناها بأيدينا، وأن نزول الأمة الإسلامية من عليائها إلى هذا الدرك من الذل والهوان الذي وصلت إليه اليوم ... كل ذلك إنما حدث وفق سنن ربانية لا تحابي أحدًا مهما زعم لنفسه من مسوّغات المحاباة؟!
ومن ثم، فإن عودة الأمة الإسلامية إلى الريادة البشرية من جديد تخضع لذات السنن الربانية التي لا يجدي معها تعجّل الأذكياء أو أوهام الأصفياء، والتي تربط النجاح في الوصول إلى الأهداف بالوسائل الموصّلة إليها، وليس بأمور سحرية غامضة الأسباب ... وتجعل النصر في أمور الدنيا هو من يملك إلى أهدافه منهاجًا واضحًا يوصّل إليها، سواء كانت أهدافه سليمة أم لا ... {كلًا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورًا} ...
ومن هنا، فقد مسّت الحاجة إلى منهاج محدد يغطي كافة مراحل التي تمر بها الأمة الإسلامية حتى النصر والتمكين وقيادة البشرية ... يغطي كل ذلك بالاستراتيجية والتخطيط والمعرفة.
ولأن واقع الأمة الإسلامية اليوم هو واقع أمة ماتت أو كادت أن تموت، فإن المنهاج المنشود لتغيير هذا الواقع، لا بد أن يكون منهاج إحياء شامل يجدد للأمة أمر دينها علمًا وعملًا ودعوةً وجهادًا حتى تسترد عافيتها وتدرج على طريق الرشد من جديد.
ولكي يظهر في الأمة ذلك المنهاج للأحياء الإسلامي، لا بد من معالم مرشدة، توفر الجهد وتطلق الطاقات ... تحكم خطى الأمة وتُوَجه سير أفرادها.
لا بد من معالم في طريق الأحياء الإسلامي؛ حتى لا نبتعد عن الإسلام وسيلة ونحن نتجه إليه هدفًا، وحتى نجمع إلى إخلاصنا، الاستراتيجبة الصائبة فتثمر جهودنا في الدنيا، ويقبلها الله في الآخرة.