لم يطل بي الاطمئنان. فذات مساء فتحت الزنزانة وفاجأني الشيطان صفوت بالسوط يضرب به كل شيء ويضرب به الحائط. ثم أخذني بوحشية من ذراعي وأخرجني من الزنزانة إلى حوش السجن. فإلى مكتب يواجه السجن رقم (2) ، وأجلسني على مقعد تجاه مكتب وتركني وخرج، وما لبث أن جاء شيطان آخر سألني عما إذا كنت زينب الغزالي ولما أجبت بالإيجاب خرج كما دخل. وبعد فترة دخل ثلاثة جنود كأنهم خارجون لتوهم من جهنم. طول أجسامهم مرعب وعرض أجسامهم كذلك. وجوههم تعكس غلظة قلوبهم. وبعدهم بقليل دخل رجل فسألهم عما إذا كانوا قد عرفوني ورأوني، وأجابوا بنفس واحد بالإيجاب، وقالوا بأن موعد موتى قد حل. ثم خرجوا ليعودوا بالأخ فاروق المنشاوي فيجلدوه بعد أن قيدوه وصلبوه على عود من الخشب. وبين الجلدة والجلدة كانوا يسألونه عن عدد المرات التي زارني فيها. ويطلبون منه أن يسبني فيرفض فيزيدونه جلدا، وأنا أتمزق مما أرى وأسمع حتى طرحوه أرضا واعتقدت أنه يحتضر. ولكن إرادة الله شاءت له أن يعيش وبحاكم ليحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة. يدعو في السجن للإسلام وللحق الذي آمن به حتى امتدت إليه يد آثمة وبتعليمات من عبد الناصر لتقتله في سجن ليمان طره فيفوز بالشهادة. ولم يكتف الآثمون بجلد الأخ فاروق، بل أتوا بأخ آخر علقوه على أعوادهم وأعادوا عليه ما سألوا فاروق عنه ورفض الأخ كما رفض أخوه من قبل. واشتد العذاب وتعب الشاب وظنوا أنه يموت. فأنزلوه أرضا ورفعوه على نقالة وانصرفوا به لا يدرى أحد إلى أين. . . ويبدو أنهم اعتقدوا أن ما رأيت وما سمعت. . سيدفعني إلى بعض ما يريدون فأرسلوا لي رجلا يتصنع أنه من أهل النصيحة والخير. حياني وقدم لي نفسه على أنه عمر عيسى وكيل النيابة (وعرفت فيما بعد أنه أحد شياطينهم) . ثم بدأ نصيحته قائلا: أنا يا حاجة زينب أريد أن أتفاهم معك لأنقذك من بين أنياب وبراثن هذه البلاوي. كيف ترمين بنفسك في هذا"القرف"وأنت زينب الغزالي. المحترمة المصونة. شوفي الإخوان المسلمين، كلهم بمن فيهم الهضيبي اعترفوا بكل شيء.
وقالوا عنك كلاما يحكم عليك بالإعدام. حموا أنفسهم ورموك أنت. أنا رأيي يا حاجة أن تدركي نفسك قبل فوات الأوان وتقولي الحقيقة وتقولي لنا: ماذا كان هؤلاء ينوون فعله، وتوضحي موقفك وأنا متأكد إن موقفك سليم.
وصمت ولم أجبه. قال:"جاوبي يا ست زينب في هدوء وروية. نحن نريد أن نصل إلى الحقيقة". فأجبت: أعتقد أن الإخوان المسلمين وأنا معهم ومنهم لم نفعل شيئا يغضب البشر السوي المدرك للحقيقة. ماذا فعلنا؟ كنا نعلم الناس الإسلام فهل في هذا جريمة؟.
وصمت فقال:"لكن أقوالهم تثبت أنهم كانوا يتآمرون على حاجات كثير منها قتل جمال عبد الناصر وتخريب البلد، وأنك أنت اللي كنت تحرضينه على ذلك. وأنا وكيل نيابة ليس لي مصلحة إلا الوصول للحقيقة. فما رأيك بعد هذا؟".