لم تكن صلتي بجماعة الأخوان المسلمين حديثة كما توهمها العابثون إذ كانت تعود بتاريخها إلى سنة 1357 هـ 1937 م. في ذلك اليوم البعيد المبارك من 1358 هـ تقريبًا وبعد ما يقرب من ستة أشهر على تأسيس جماعة السيدات المسلمات كان أول لقاء لي مع الإمام الشهيد حسن البنا. كان ذلك عقب محاضرة ألقيتها على الأخوات المسلمات في دار الإخوان المسلمين وكانت يومئذ في العتبة.
كان الإمام المرشد في سبيله لتكوين قسم للأخوات المسلمات، وبعد مقدمة عن ضرورة وحدة صفوف المسلمين واتفاق كلمتهم دعاني إلى رئاسة قسم الأخوات المسلمات. وكان هذا يعنى دمج الوليد الجديد الذي أعتز به"جماعة السيدات المسلمات"واعتباره جزء من حركة الإخوان المسلمين، ولم أعد بأكثر من مناقشة الأمر مع الجمعية العمومية للسيدات المسلمات، التي رفضت الاقتراح وإن حبذت وجود تعاون وثيق بين الهيئتين.
وتكررت اللقاءات مع تمسك كل منا برأيه وتأسست الأخوات المسلمات ولم يغير ذلك من علاقتنا الإسلامية شيئًا. وحاولت في أخر لقاء لنا في دار السيدات المسلمات أن أخفف من غضبه بعهد آخذه على نفسي أن تكون السيدات المسلمات لبنة من لبنات الإخوان المسلمين على أن تظل باسمها واستقلالها بما يعود على الدعوة بفائدة أكبر. على أن هذا أيضًا لم يرضه عن الاندماج بديلًا ودارت الأحداث بسرعة ووقعت حوادث سنة 1948 وصدر قرار حل الإخوان ومصادرة أملاكهم وإغلاق شعبها، والزج بالآلاف في المعتقلات وقامت الأخوات المسلمات بنشاط يشكرن عليه وكانت إحداهن السيدة تحية الجبيلي زوجة أخي وابنة عمى ومنها عرفت الكثير من التفاصيل، ولأول مرة وجدت نفسي مشتاقة إلى مراجعة كل آراء الأستاذ البنا وإصراره على الاندماج الكلي. وفي صبيحة اليوم التالي لحل جماعة الإخوان كنت بمكتبي في دار السيدات المسلمات وفي نفس الحجرة التي كان بها آخر اجتماع لي بالمرشد الإمام، ووجدت نفسي أجلس إلي مكتبي وأضع رأسي بين يدي وأبكي بكاءً شديدًا، فقد أحسست أن حسن البنا كان على حق فهو الإمام الذي يجب أن يبايع من المسلمين جميعًا على الجهاد لعودة المسلمين إلي مقعد مسئوليتهم، وإلي وجودهم الحقيقي الذي يجب أن يكونوا فيه، وهو مكان الذروة في العالم يقودونه إلي حيث أراد الله ويحكمونه بما أنزل الله. وأحسست أن حسن البنا كان أقوى مني وأكثر صراحة في نشر الحقيقة وإعلانها. وإن هذه الشجاعة والجرأة هي الرداء الذي يجب أن يرتديه كل مسلم. وقد ارتداه البنا ودعا إليه. ثم وجدت نفسي أهتف بالسكرتير ليوصلني بالأخ عبد الحفيظ الصيفي الذي كلفته بنقل رسالة شفوية للإمام البنا يذكره فيها بعهدي في آخر لقاء لنا ... وحين عاد بتحيته ودعائه استدعيت أخي محمد الغزالي الجبيلي وكلفته بإيصال وريقة صغيرة بواسطته أو بواسطة زوجته إلي الإمام المرشد وكان في الوريقة:"سيدي الإمام حسن البنا ... زينب الغزالي الجبيلي تتقدم إليك اليوم وهي أمة عارية من كل شي إلا عبوديتها لله وتعبيد نفسها لخدمة دعوة الله، وأنت اليوم الإنسان الوحيد الذي يستطيع أن يبيع هذه الأمة بالثمن الذي يرضيه لدعوة الله تعالى. في انتظار أوامرك وتعليماتك سيدي الإمام ...".