وفى فجر الجمعة 20 أغسطس 1965 اقتحم رجال الطاغوت منزلي، ولما طلبت منهم إذنا بالتفتيش، قالوا: إذن! أي إذن يا مجانين؟ نحن في عهد عبد الناصر، نفعل ما نشاء معكم يا كلاب. .!
وأخذوا يقهقهون في صورة هستيرية وهم يقولون: الإخوان المسلمون مجانين، قال إيه، يريدون إذن تفتيش في حكم عبد الناصر! ودخلوا البيت وأتلفوا ما فيه بالتمزيق تارة وبالتكسير تارة أخرى حتى لم يتركوا شيئا سليما. وكنت أنظر إليهم باحتقار وهم يمزقون فراش المنزل. وأخيرا قبضوا على ابن أخي الطالب في كلية المعلمين محمد محمد الغزالي، وكان يقيم معي كابني وقالوا لي: لا تغادري البيت. قلت: أفهم من ذلك أن إقامتي محددة. قالوا: إلى حين صدور أوامر أخرى، واعلمي أن البيت تحت الحراسة فإذا تحركت فسيقبض عليك. وظننت أن الأمر سيقف عند تحديد الإقامة، وجاء لزيارتي شقيقتي وأولادها وزوجها، وكنت أعد حقيبتي استعدادا للقبض على. ورجوت زوج شقيقتي مغادرة المنزل حتى لا يقبضوا عليه إن عادوا ووجدوه كما فعلوا مع ابن أخي. ولكنه أصر على البقاء رغم محاولاتي المتكررة في إفهامه أن الوقت ليس وقت مجاملة أو نحوه. وبينما كنا نتناول الغداء اقتحم المنزل زبانية الطاغوت وأتوا على البقية الباقية واستولوا على ما في الخزانة. واستولوا على ما يزيد على نصف مكتبتي، ولم تفلح محاولاتي في إنقاذ بعض المؤلفات القديمة في التفسير والحديث والفقه والتاريخ مما يعود تاريخ طبعه إلى أكثر من مائة عام، كما لم تفلح محاولاتي في الاحتفاظ بمجموعات ثلاث من مجلة السيدات المسلمات التي أوقفت بأمر عسكري سنة 1958، فقد صادروا كل ما أرادوا وللخزانة وقتها قصة عجيبة. فقد كانت الخزانة لزوجي إلا أن بها أشياء تخصني أيضا. فلما طلبوا المفتاح قلت لهم: إنه مع زوجي وهو مسافر في مصيفه، فإذا بهم يهتفون برجل منهم يأمرونه بفتح الخزانة، وتقدم هذا الرجل وفتح الخزانة بآلات ومفاتيح كانت معه، كأي لص متمرس!! ولما طلبت منهم إيصالا بما أخذوه قالوا في سخرية:"أنت مجنونة. أنت فاكرة نفسك شاطرة، إخرسي بلاش دوشة". وقبضوا على وأدخلوني عربة وجدت فيها ابن أخي الذي قبضوا عليه في الفجر، وشابا من شباب الدعوة، سألت ابن أخي: إيه يا محمد؟ فلم يجبني ففهمت أن التعليمات إليه أن لا يتكلم، وكانوا قد أتوا به ليرشدهم إلى المنزل لأن هؤلاء كانوا غير زوار الفجر. . وأخذت العربة تنهب بنا الطريق حتى وصلت إلى السجن الحربي، عرفت ذلك من اللوحة الموجودة على بوابته، واقتحمت السيارة البوابة المرعبة، وبعدما ابتلعت البوابة السيارة ومن فيها. أنزلت منها واتجه بي وغد غليظ إلى حجرة استجوبني فيها وغد آخر، وأدخلت منها إلى حجرة أخرى. ووقفت أمام رجل ضخم الجثة مظلم الوجه قبيح اللفظ، فسأل الذي يمسك ذراعي عنى فأجابني بسباب غلف فيه أسمي، ومع ذلك التفت هو إلى في غلظة وسألني من أنت!. قلت:"زينب الغزالي الجبيلي". فانطلق يسب ويلعن بما لا يعقل ولا يتصور. وصرخ الذي يمسك بذراعي قائلا:"دا رئيس النيابة يا بنت الـ. . . ردى على سعادته"، وكان الآخر قد صمت