الصفحة 29 من 136

وقررنا تأجيل الاجتماع بالأخوات حتى نرى ماذا بعد الاعتقالات، وكان اعتقال سيد قطب كالصاعقة بالنسبة لجميع الشباب، فضلا عنا نحن، فقد كان الهضيبي قد أوكل كل المسئوليات لسيد قطب، وكانت اتصالاتنا كلها به حسب أمر الهضيبي، وكان علينا بعد اعتقاله أن نرجع إلى المرشد العام، نستأذنه فيمن يتولى المسئولية بدلا من سيد. كنت أنا وعبد الفتاح، نفكر فيما حدث قبل أن يحدث بخمسة أيام، فلما حدث، زارني عبد الفتاح وكلفني بالسفر لرؤية المرشد في الإسكندرية وقدم لي أحد أبنائنا من الشباب على أنه سيكون حلقة الاتصال بيننا إذا اعتقل هو. . ولكن بعد ساعات أرسل إلى يطلب منى أن ألزم بيتي، وألغى سفري للإسكندرية - غير أنى كنت قد اتصلت بالمرشد، وجاءت السيدة حرمه من الإسكندرية - ورتب الأمر على أن نكون على اتصال دائم بالهضيبي، هذه المرة قدم لي أخا كريما ليكون حلقة الاتصال بيننا. . مرسى مصطفى مرسى. واتصلت بالمرشد العام وأخبرته بواقع الأمر، وأقرنا على ما اتفقنا عليه وتأثر تأثرا عميقا لأخبار الاعتقالات وبخاصة اعتقال سيد قطب. وأخذت الأخبار تتوالى بالقبض على العشرات والمئات، وارتفع إلى الآلاف، وقد أقسم لي شمس بدران بعد اعتقالي برأس عبد الناصر اعتقلوا مائة ألف من الإخوان في عشرين يوما، ملئوا بهم السجن الحربي وسجن القلعة وسجن أبي زعبل وسجن الفيوم والإسكندرية وطنطا وسجونًا أخرى. وفى يوم الخميس 19 أغسطس، علمت أن سيدة فاضلة تناهز الخامسة والثمانين تدعى أم أحمد من شبرا قد قبضوا عليها، وهى من المناصرين للدعوة من يومها الأول، وسارت في الطريق مع الإمام الشهيد حسن البنا خطوة خطوة، وكان لها جهد كبير مبارك في مساعدة الأسر التي فقدت العائل بالسجن والمعتقلات الناصرية. . وكانت على اتصال دائم بنا. . كان خبر اعتقالها مفزعا ومؤثرا بالنسبة لي، ولكنى قلت لابن أختها بعد دقائق صمت أغرقتني بالألم:"إنه شيء جميل. . ما دام في الأرض التي ضاعت معالمها امرأة مؤمنة تعتقل في سبيل الله، وفى سبيل دولة القران، وهي في الخامسة والثمانين، فمرحى مرحى يا جنود الله". .!

وأرسلت لابنتي في الإسلام غادة عمار وقلت لها:"اليوم اعتقلت مجاهدة جليلة فاضلة تدعى الست أم أحمد، وتقطن بناحية شبرا ولدى أموال لحساب أسر المسجونين وشؤون الدعوة فها هي إليك يا غادة، فإذا اعتقلت فسلميها للمرشد أو لآل قطب، وسلمتها مظروفا فيه أموال الجماعة التي كانت أمانة عندي، وهى اشتراكات من الإخوان المسلمين. وعلمت بعد ذلك وأنا في السجن أن هذا المبلغ أودعته غادة عند ابنتي في الإسلام فاطمة عيسى وعندما قبض عليها الطغاة استولوا على هذا المال الذي كان ثمن الطعام وأجر المساكن ومصاريف التعليم والعلاج لأبناء المسجونين وأسرهم، تلك الأسر التي لا ذنب لها ولا جريمة، وما قررت دولة الانقلاب العسكري لتبيدهم إلا لأنهم من القاعدة الخالدة على التاريخ لتجديد أمر الأمة الإسلامية. علمت بذلك عندما جيء بغادة عمار وعلية الهضيبي إلى زنزانتي في السجن الحربي فقلت:"حسبنا الله ونعم الوكيل، الدنيا ساعة، أما الآخرة فهي دارنا والحساب هناك". ومرت ساعات رهيبة تحمل لي أخبار اعتقالات جديدة، ومرة أخرى جاءني رسول طلب منى أن أسافر إلى الإسكندرية لمقابلة المرشد. كان ذلك في مساء الخميس 19 أغسطس، وبينما كنت أستعد للسفر جاء آخر وطلب منى تأجيل السفر لحين صدور أوامر أخرى."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت