لقد مررت بكل درجات التعذيب درجة درجة، من الجلد بالسياط المجنونة كألسنة اللهب إلى نهش الكلاب المدربة، إلى زنزانة الماء، إلى زنزانة النار، ثم تكررت عملية الجلد والصلب والتعليق على الأعواد كالذبائح، إلى عذاب يحطم الأعصاب والأرواح.
وجاءت النيابة، لتستكمل المهزلة فصولها، ويعاقب المظلومون في ظل العدل وسيادة القانون. .!!
دخلت خيام المحققين من رجال النيابة!!
وإنهم جميعا لمخطط واحد ينفذون!! في خيام التحقيق كان التهديد مستمرا من المحقق الذي يطلب من المتهم أن يوقع على ما يسجل من زور وبهتان في أوراق التحقيق تحت نظر وسمع كبار القضاة والمستشارين المنتدبين للإشراف على التحقيقات.
والحق أن كل شيء في هذه الأمة يمتهن ويمسخ، كل ما فيها ومن فيها. حتى رجال القانون والقضاء الذين روى التاريخ نزاهتهم في كل عصر وكانت شجاعتهم في الحق مضرب الأمثال، رأينا بعضهم في السجن الحربي مسخا مشوها وباطلا مزورا، يكذبون في شجاعة ويخافون الباطل ويدافعون عنه بجرأة. يهددون المتهم إذا لم يوقع على ما يسجلونه ويقر بكل ما يكتبونه، بالعودة إلى مكاتب التحقيق بالسجن الحربي!! نظر وكيل النيابة إلى وضمادات الشاش تغلف قدمي ويغلف نفسي إعياء وضعف. . لا يكاد صوتي يخرج من بين شفتي. . ووكيل النيابة يجلس خلف جبل من الدوسيهات. . أمامه أوراق مكتوبة. سكرتير النيابة جالس إلى مكتب صغير وأمامه كومة من الأوراق البيضاء وبيده قلم مستعد لتنفيذ الأمر. . أملى عليه وكيل النيابة اسمي، وسني ومكان مولدي وسكنى.
والتفت إلى وكيل النيابة بوجه جامد ثم قال: يا زينب، في هذه الملفات والدوسيهات أقوال الإخوان المسلمين كلها ' واضح فيها موقفك جيدا، سأترك أقوالك في المكاتب، وأريد الحقيقة منك أنت وهذه حقيقة قالها حسن الهضيبي، وقالها سيد قطب، وقالها عبد الفتاح إسماعيل وقالها جميع الإخوان. . أريد يا زينب أن تتخلى عن عنادك وألا تضيعي وقتنا فيما لا يفيد. . والأمر بسيط جدا إعادتك إلى المكاتب مرة أخرى!!
وأخذ يوجه إليّ الأسئلة وانا أجيب. ولكني لاحظت عجبًا!! كنت إذا أجبت على سؤال ببضعة كلمات أجده يملأ صفحة كاملة على إنها إجابة مني!!
أثارني ما لاحظته فقلت لوكيل النيابة المحقق: ماذا يا استاذ قناوي؟ إنني اجبت على سؤال واحد في كلمات قليلة ..
فقال: إنني اساعدك لأن كل كلمة منك ستعرض على سيادة رئيس الجمهورية. كلامك أنت بالذات طلب أن يعرض عليه يوميًا!!
فقلت: هذا أمر لا يهمني في قليل أو كثير، إنما ما أهتم به. ألا يكتب باسمي إلا ما أقول. فقال سأقرأ عليك فيما بعد كل شئ. وقلت في هدوء وما الداعي مادمت تكتب من عندك. لا داعي لأن أتكلم وليكتب كاتب النيابة ما تريد على أن يكون في علمك أنني لن أعترف إذا كان هناك محكمة .. إلا بالذي أقوله أنا لك .. !!.
وعاد إلي سؤالي. قال: أنت قلت: عبد الناصر كافر وحكومته كافرة والمجتمع كافر أيضًا.
قلت: نحن لا نكفر أهل القبلة. قال: ومن هم أهل القبلة؟ قلت: الذين يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله ثم يلتزمون بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربه. قال أريد أن تشرحي صفات أهل القبلة.
قلت:"الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويصومون رمضان ويحجون البيت إن استطاعوا إليه سبيلًا ويلتزمون بأحكام الكتاب والسنة. لا يشرعون من عند أنفسهم ولا يحكمون بغير ما أنزل الله."
قال: هل تعتبرين جمال عبد الناصر وحكومته والمجتمع من أهل القبلة. قلت: عبد الناصر نفسه لا. لأنه حاكم يستطيع أن يحكم بكتاب الله لو أراد إلا أنه عمل على تعطيله، فهو يشرع للناس من عنده ويعطل كتاب الله وقد قال عبد الناصر صراحة: أنه لا يقيم حكومة دينية.