الصفحة 28 من 49

ومقرر في القرآن اليوم، وكان يقول: (يا رب لو أعرف طريقة أعبدك بها لفعلت) ، فعذر في ذلك لأن هذا لا يعرف إلا بالحجة الرسالية، ولأنه كان قائمًا بأصل الدين محققًا للحنفية؛ ملة ابراهيم، حتى أنه كان لا يأكل مما ذبح على النصب، ويقول بمحض فطرته مخاطبًا كفار قريش منكرًا عليهم: (يا معشر قريش! الشاة يخلقها الله وينزل لها الماء من السماء وينبت لها الكلأ من الأرض، ثم انتم تذبحونها لغيره؟!) .

وفي حديث عدي بن حاتم الطائي الذي يصححه العلماء بمجموع طرقه، فيه ان عدي رضي الله عنه قال: (ما عبدناهم!) ، يعني الأحبار والرهبان، فقال له صلى الله عليه وسلم: (ألم يحلوا لكم الحرام ويحرموا عليكم الحلال فأطعتموهم؟) ، فقال: (بلى) ، قال: (فتلك عبادتكم إياهم) .

ففيه أنهم لم يعذروا في جهلهم باتخاذهم أربابا مع الله مشرعين يحللون ويحرمون لهم، وكونهم يجهلون أن الطاعة في التشريع عبادة لم ينفعهم ولم يعذروا به، لأن هذا من الشرك الأكبر المناقض لأصل الدين، والذي أقام الله فيه حجته البالغة من وجوه شتى كما تقدم، وكونهم لا يعلمون أو يجهلون أو غافلين أو ضالين، كل ذلك ليس بعذر لهم من الشرك الأكبر.

فقد ذكر الله تعالى عن الكفار أنهم يقولون عندما يشاهدون العذاب: {ربنا إنَّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} ، فتأمل قولهم: {فأضلونا السبيلا} ، فإنهم قد أقاموا لهم الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة حتى سوغوا لهم الشرك وحسنوه لهم، فهل عذروا بذلك؟!

وقد وصف الله تعالى كثيرا من الكفار بأنهم؛ {يحسبون أنهم يحسنون صنعا} ، و {يحسبون أنهم مهتدون} ، و {يحسبون انهم على شيء} ، وكل ذلك لم ينفعهم لأنهم نقضوا أمرًا أقام الله عليه حججه البالغة المتنوعة، ولو كان خطؤهم وانحرافهم حصل في أمر غامض لا تكفي فيه حجة فطريه أونحوها؛ ما جاز تكفيرهم إلا بعد إقامة الحجة الرسالية عليهم.

ولذلك هناك فرق بين من سب الله صراحة وجهارًا فهذا يكفر ولا يعذر بجهله، لأنه أمر تشمئز منه النفوس حتى نفوس اليهود والنصارى، وبين من سب الدهر - مثلًا - أو الزمن، فإنه لا يكفر حتى تقام عليه الحجة، فتبين له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن سب الدهر كما في الحديث: (لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله) [1] ، لأن نوائبه إنما

(1) رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، حديث رقم [2246] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت