فبين أنه سبحانه جبر القلوب على ما فطرها عليه: من شقاوة أو سعادة وهذه الفطرة الثانية ليست الفطرة الأولى ، وبكلا الفطرتين فسر قوله - صلى الله عليه وسلم -:"كل مولود يولد على الفطرة"وتفسيره بالأولى واضح قاله محمد بن كعب القرظي - وهو من أفاضل تابعي أهل المدينة وأعيانهم ، وربما فضل على أكثرهم - في قوله ( الجبار ) ، قال جبر العباد على ما أراد ، وروى ذلك عن غيره وشهادة القرآن والأحاديث ورؤية أهل البصائر والاستدلال التام لتقليب الله سبحانه وتعالى قلوب العباد ، وتصريفه إياها وإلهامه فجورها وتقواها ، وتنزيل القضاء النافذ من عند العزيز الحكيم ، في أدنى من لمح البصر على قلوب العالمين ، حتى تتحرك الجوارح بما قضى لها وعليها بين غاية البيان إلا لمن اعمى الله بصره وقلبه
فإن قلت: أنا أسألك على هذا التقدير بعد خروجي عن تقدير الجبر الذي نفوه وأبطلوه وثباتي على ما قالوه وبينوه كيف إنبنى الصواب والعقاب ؟
فهذه الآثار هي التي تورثها الأعمال هي الثواب والعقاب وأفضاء العمل إليها واقتضاؤه إياها كافضاء جميع الأسباب التي جعلها الله سبحانه وتعالى أسبابًا إلى مسبباتها والإنسان إذا أكل أو شرب حصل له الري والشبع وقد ربط الله سبحانه وتعالى الري والشبع بالشرب والأكل ربطًا محكمًا ، ولو شاء أن لا يشبعه ويرويه مع وجود الأكل والشرب فعل ، أما أن لا يجعل في الطعام قوة أو يجعل في المحل قوة مانعة أو بما يشاء سبحانه وتعالى ، ولو شاء أن يشبعه ويرويه بلا أكل ولا شرب أو بأكل شيء غير معتاد فعل .