ذهب الأشاعرة إلى ان الله خالق أفعال العباد ثم أتوا بنظرية الكسب التي ضرب بها المثل في الخفاء ومعناها اقتران القدرة الحادثة بالمقدور من غير تأثير القدرة فيها الأمر الذي جعل أبا المعالي الجويني يرد هذا القول في النظامية ، لكونه يؤدي إلى الجبر حتى قال الرازي إن الإنسان مجبور في صورة مختار ، ثم ذهبوا إلى ان الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل لا يجوز أن تتقدمه مخالفين بذلك أهل السنة في إثبات الاستطاعة المصححة للفعل والتي تكون قبله ، واستطالة مقارنة للفعل يجب معها وجود الفعل (3) .
(1) نهاية الأقدام للشهرستاني ص397 .
(2) انظر الحكمة والتعليل للمدخلي .
(3) موقف ابن تيمية من الأشاعرة المحمود (3/1332) .
ومذهب أهل السنة اثبات أن للعبد قدرة وإرادة حقيقية لكنها مخلوقة لله فأفعاله مخلوقة لأن خالق السبب التام خالق للمسبب ، فإن قيل إن هذا جبر ، قلنا ما قاله شيخ الإسلام: ربما سمي جبرًا إذا أمن اللبس حيث قال رحمه الله:
فإن قيل: هب أن فعلي الذي أردته واخترته هو واقع بمشيئتي وإرادتي أليست تلك الإرادة وتلك المشيئة من خلق الله تعالى ؟ وإذا خلق الأمر الموجب للفعل فهل يتأتى ترك الفعل معه ؟ أقصى ما في الباب ان الأول جبر بغير توسط الإرادة من العبد ، وهذا جبر بتوسط الإرادة .
فنقول: الجبر المنفي هو الأول كما فسرناه ، وأما إثبات القسم الثاني فلا ريب فيه عند أهل الاستنان والآثار وأولى الألباب والأبصار لكن لا يطلق عليه اسم الجبر خشية الالتباس بالقسم الأول وفرارًا من تبادر الأفهام إليه وربما سمي [جبرًا] إذا أمن من اللبس وعلم القصد . قال علي رضي الله عنه في الدعاء المشهور عنه في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -: اللهم داحي المدحوات وباري المسموكات جبار القلوب على فطراتها شقاها أو سعدها .