والطرف المقابل لهم وهم الخوارج والمعتزلة قالوا: لابد أن ينجز الله وعده ووعيده ، ولا يصح أن يخلف أيا منهما . وهؤلاء قد ضلوا في الوعد والوعيد جميعًا . فأما ضلالهم في الوعيد فواضح ، حيث جرهم قولهم به إلى إكفار أصحاب الكبائر أو إخراجهم من الإيمان عند المعتزلة إلى الفسق ووجوب إدخالهم النار وتخليدهم فيها ، وقالوا: إنه لا يجوز أن يغفر الله لهم إذا لم يتوبوا ، ويكفي أن قولهم هذا يناقض قول الله عز وجل: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فمن أين لهم أنه سبحانه لا يشاء المغفرة لهم ، مع كونهم ليسوا كفارًا على مذهب المعتزلة ، وليسوا مشركين على مذهب الإباضية وطوائف من الخوارج ، والنص إنما دل على عدم المغفرة للمشرك به سبحانه ، والذين لا يغفر لهم هم الكافرون والمشركون .
وأما ضلالهم في الوعد: فلإيجابهم ذلك على الله سبحانه بطريق الاستحقاق والعوض يقول القاضي عبد الجبار: ( اعلم أنه تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقّة ، فلابد أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله ... ..) .
أما أهل السنة الذين يمثلون نقطة التوازن بين الطرفين ، فإنهم يأخذون بنصوص الوعد والوعيد ، فيجمعون بين الخوف والرجاء ، لم يفرطوا في نصوص الوعيد كالمرجئة الخالصة الذين قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب ولم يغلوا غلو الخوارج والمعتزلة في نصوص الوعيد فكان قولهم في الوعيد أنه: ( يجوز أن يعفو الله عن المذنب ، وأنه يخرج أهل الكبائر من النار فلا يخلد فيها أحد من أهل التوحيد )
وقالوا في الوعد: إن الله لا يخلف وعده ، وإنه لابد أن يثيب أهل الإيمان به وأهل طاعته بحكم وعده لهم بذلك ، لا بحكم استحقاقهم عليه فإن العبد لا يستحق بنفسه على الله شيئًا .