أخي المسلم, تذكر أن فلاح الإنسان على وجه هذه البسيطة يرتكز على نقطتين اثنتين:
الأولى: العلم بحقيقة الدنيا وكنهها.
الثانية: العمل بمقتضى تلك الحقيقة وفق الثوابت الدينية والقواعد الربانية التي تدل على الفقه السليم لذلك المقتضى.
فمن كان جاهلًا بحقيقة الدنيا فهو مغرور بأحوالها، منساق لشهواتها أسير للذاتها. ومن علم بحقيقتها وخالف علمه عمله فهو أجهل الجاهلين وأشقى الأشقياء فيها, فما هي حقيقتها؟
هي ظل زائل، وأحلام ليل، وسحابة صيف، وأضغاث أحلام، كل ما فيها يبلى، وكل ما عليها يفنى، لذاتها حسرات، وشهواتها آفات، وحلالها حساب، وحرامها عذاب، من أغنته أفقرته، ومن أسرته أبكته، لا تدوم على حال، وكل من عليها إلى زوال.
يا طالب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأقذار
دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدا تبًا لها من دار
عن العلاء بن زياد، قال: رأيت في النوم عجوزًا كبيرة عليها من كل زينة، والناس عكوف عليها متعجبون، ينظرون إليها، فقلت: من أنت ويلك؟ قالت: أما تعرفني؟ قلت: لا، قالت: أنا الدنيا. فقلت: أعوذ بالله من شرك. قالت: إن أحببت أن تعاذ من شري بأبغض الدرهم.
أخي: فإذا كانت دار الدنيا بهذه الأوصاف الدنية الهابطة السافلة، فلماذا خلقها الله إذن؟ أقول: خلقها الله جل وعلا ابتلاء وامتحانًا للإنسان، يبتليه فيها بالخير والشر، ليرى منه أعماله، وليراقب أفعاله، فمن شكر فقد ربح وفاز، ومن كفر فقد خاب وخسر, قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} .
إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريق والليالي متجر الإنسان والأيام سوق
قال يحيى بن معاذ: الدنيا دار اشتغال، والآخرة دار أهوال، ولا يزال العبد بين الاشتغال والأهوال حتى مستقر القرار، إما إلى جنة وإما إلى نار.
فهي محطة استراحة رحلة الإنسان منذ ولادته إلى يوم مماته، أوجد الله له فيها مطمعًا ومشربًا وملبسًا ومنكحًا ومسكنًا، ثم أرسل له رسلًا، وأنزل له كتبًا وأمره فيها بطاعته وعبادته، ونهاه عن مخالفته