فمن صفات الله جل وعلا صفة العلم والحكمة والخبرة، كما أخبر سبحانه عن نفسه في آيات كثيرة من كتابه وعلى لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، والمؤمن الذي يستشعر قلبه كما علم الله سبحانه وسعة خبرته، وفيض حكمته يوظف استشعاره ذاك في تدبر كلامه وأمره وبيانه في كتابه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فينتج عن ذلك وقوفه على حقيقة وجوده، وحقيقة الدنيا, وحقيقة القناعة وفوائدها الثمينة في الدنيا والآخرة؛ لأنه يدرك أنه يتلقي هذه الحقائق من خالقها وخالق الوجود ومن العليم الحكيم الخبير {وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} .
فالمؤمن الصادق الذي يعرف الله بصفاته مهما أرغمته نفسه على الانجراف إلى شهوات الدنيا، فهو يرغمها على القناعة بما يملكه من كنوز الاعتقاد.
وكذلك الإيمان باليوم الآخر يدفع المؤمن إلى الزهد في الدنيا، ويحمله على جهل سائر همومه في اليوم الآخر يوم الحساب؛ لأنه يدرك أنه عابر سبيل لا قرار له فيها كما تلقى ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: «مالي وللدنيا! إنما مثلى ومثل الدنيا: كمثل راكب قال في ظلِّ شجره ثم راحَ وتركها» [رواه أحمد والترمذي] ، وهذا ما يجعله بالضرورة قنوعًا في سائر أحواله.
وكذلك الإيمان بالقدر خيره وشرِّه يبعث قلب المؤمن على الاطمئنان الكامل فيتولد عن ذلك خُلق الرضا متراميًا في انشراح صدر المؤمن مهما كان حاله في الدنيا، لا يرى متسخطًا من قلة رزق ولا من ضعف حيلة أو حلول عيلة, وهذا ما يجعله أيضًا قنوعًا راضيًا مطمئنًا.