واحتج المصنف على نفى الجهة، ولم يحتج على نفى الجسمية، لأن نفى الجهة يستلزم نفي الجسمية، ولأن الحجة على نفي الجهة مشتملة على نفي الجسمية. إذا عرفت هذا فنقول: لو كان الله تعالى في جهة وحيز فإما أن ينقسم فيكون جسمًا وكل جسم مركب ومحدث، فيكون الواجب مركبًا ومحدثًا وهذا خلف.
أولًا ينقسم فيكون جزءًا لا يتجزأ وهو محال بالاتفاق.
وأيضًا لو كان الله تعالى في جهة وحيز لكان متناهي القدر، واللازم باطل فالملزوم مثله. قيل: والأولى أن يقال: لو كان الله تعالى جهة وحيز لكان قابلًا للقسمة والأشكال والأكوان، إى الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وكل ذلك في حقه تعالى محال، لأن وجوب الوجود ينافى هذه الأمور.
واحتج المثبتون للجهة والحيز بالعقل والنقل، أما العقل فمن وجهين:
الأولى: أن بديهة العقل حاكمة بان كل موجودين لابد وأن يكون أحدهما ساريًا في الآخر، بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما هي الإشارة إلى الآخر كالجوهر وعرضه. أو أحدهما مباينًا عن الآخر في الجهة كالسماء والأرض، والله سبحانه ليس محلًا للعالم ولا حالا فيه، فيكون مباينًا عن العالم في الجهة.
الثاني: الجسم يقتضي الحيز والجهة، لكونه موجودًا قائمًا بنفسه فيكون مشاركًا للجسم في اقتضاء الحيز والجهة، فيكون في حيز وجهة.
وأما النقل فآيات وأحاديث تشعر بالجسمية والجهة، منها قوله تعالى: {والسماوات مطويات بيمينه} [الزمر 67] وقوله تعالى: {لما خلقت بيدى} [ص 75] وقوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح 10] وقوله تعالى: