وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون وقال سبحانه: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} فالتحاكم إلى الطاغوت ينافي الكفر به، والله سبحانه أمرنا بالإيمان به وبالكفر بالطاغوت، والتوحيد الخالص إنما يكون بالإيمان بالله والكفر بالطاغوت كما قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} فتوحيد الألوهية إنما يكون بإخلاص العبادة لله والكفر بالطاغوت لذلك جاءت كلمة التوحيد مركبةً من النفي والإثبات فـ (لا إله) نفي لكل ما يُعبد من دون الله، و (إلا الله) إثبات العبادة لله وحده.
وتأمل حال الطواغيت الحاكمين بحكم الطاغوت وحال أولئك المنافقين الذين ذكرهم الله في قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقا} فكم من ناصحٍ ومنكرٍ على أولئك الطواغيت الذين يحكمون بالقوانين الوضعية ولكنهم يصدون بكل كِبر وصلف عن دعاة الحق والتوحيد، ويرتمون في أحضان أئمة الكفر من الشرقيين والغربيين، ويستمدون منهم الحكم والقوانين ومن مجالسهم التشريعية الشركية الكفرية التي يسخرون فيها من الله وأحكامه ويجعلون التشريع حقًا لهم وللشعب، ليُظهروا لأسيادهم صدق الولاء وحقيقة العمالة والعبودية، حتى يقرهم الأسياد على كراسي الحكم ولا يستبدلوهم بغيرهم.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: وتحكيم شرع الله وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه إذ مضمون الشهادتين أن يكون الله هو المعبود وحده لا شريك له، وأن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو المتّبع المُحكّم ما جاء به فقط، ولا جردت سيوف الجهاد إلا من أجل ذلك، والقيام به فعلًا، وتركًا، وتحكيمًا عند النزاع. اهـ [فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم 12/ 251] .
وقال الإمام الشنقيطي رحمه الله:"الإشراك بالله في حكمه، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد، لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظامًا غير نظام الله، وتشريعًا غير تشريع الله، كالذي يعبد الصنم ويسجد للوثن، ولا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه، فهما واحد، وكلاهما مشرك بالله. [الحاكمية في تفسير أضواء البيان لعبدالرحمن السديس ص 52، 53 = باختصار، وانظر أضواء البيان للشنقيطي 7/ 162] ."
والذي يحكم بغير ما أنزل الله هو من الطواغيت التي أُمرنا أن نكفر بها.
قال ابن القيم رحمه الله: والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قومٍ من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه