الشبهة الحادية عشرة
أن بعض حكام المسلمين يحمي صروح الشرك من أضرحة وأوثان تعبد من دون الله
قال المؤلف[وهذا فعل شنيع وإثم وجرم كبير سبب لذهاب الدنيا والدين وتغلب الكفرة الكافرين على المسلمين، لكن التأثيم الشديد شيء غير التكفير، ومن كفر بمثل هذا فالرد عليه من أوجه:
1 -أن هناك فرقًاَ بين تكفير النوع والعين فلا يلزم من تكفير الفعل تكفير الفاعل، وهذا ما عليه محققون مبرزون كالأئمة أبي العباس ابن تيمية إذ قال:: فإنا بعد معرفة ما جاء الرسول نعلم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن تدعو أحدًا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل إنه نهى عن كل هذه الأمور وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مما يخالفه ا. هـ [1]
2 -أن من حمى الكفر لذاته فهو كافر لأن لازمه رضاه وإقراره له، أما إذا حماه لدافع آخر فهذا مع كونه إثمًا وجرمًا كبيرًا لكنه ليس كفرًا إذ ليس لازمه الرضا ثم لا دليل يدل على التكفير بحماية الكفر لغير ذاته، كما تبقى الكنائس شرعًا في الأرض التي فتحها المسلمون صلحًا [2] كما يدل على هذا فعل الخلفاء الراشدين وهم بذلك لا يسمحون لأحد أن يعتدي عليها ولو كان هذا محرمًا لما فعله الخلفاء الراشدون فضلًا عن أن يكون كفرًا فيتجلى لنا بهذا أنه لا يلزم من حماية الشرك كفر الحاكم بل لابد من النظر إلى الدوافع لذا لم يلزم من حماية الكنيسة التي يزاول فيها الشرك الأكبر كفر الحاكم فإذا وجدت كنيسة في أرض مسلمين فحماها السلطان لدوافع غير الرضا، فإن فعله لا يوصف بالكفر فضلًا عن أن يكفر لأنه لم يحمها لذاتها وإنما لأمر آخر] .
أقول: قد سبق أن بينتُ أن الحكم في الدنيا مبني على الظاهر، وبينتُ أنّ من علم حكم الشيء ولم يعلم عقوبته فإن ذلك لا يسقط عنه العقوبة.
وحماية القباب والقبور التي يشرك بها والدفاع عنها وعن المشركين الذين يطوفون حولها كفر في حدّ ذاته لا يُنظر فيه إلى نية فاعله؛ لأنه حماية للشرك والكفر، وحمايةٌ لأماكن الشرك وأهل الشرك، وانحياز إلى المشركين والدخول في صفهم، ويدلّ على ذلك أنّ الصحابة رضي الله عنهم حكموا على مانعي الزكاة بالردّة مع وجود أناس بينهم لم يمنعوها جحودًا، ولكن لما انحازوا إلى معسكر المرتدين كان حكمهم واحد، وهذا إذا كان في الزكاة فكيف بحماية الأضرحة التي تعبد من دون الله والتي تناقض لا إله إلا الله من أصلها، والانحياز إلى صف المشركين وحمايتهم وحماية شركهم ومعبوداتهم؟
(1) الرد على البكري ص377.
(2) أحكام أهل الذمة للإمام ابن القيم (3/ 1202)